المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد وليان Headshot

مؤامرة أم خديعة

تم النشر: تم التحديث:

لا تزال تداعيات سقوط الطائرة الروسية تلقي بظلالها على المشهدين السياسي والإعلامي المصري، فبعد الخميس الأسود الذي أعلنت فيه عدة دول إيقاف رحلاتها من وإلى مطار شرم الشيخ والبدء في إجلاء رعاياها من المنتجع السياحي جاء قرار الحكومة الروسية مطلع هذا الاسبوع بمنع الطائرات المصرية من التحليق فوق أراضيها، ليزيد من تفاقم المشهد ويجعل سيناريو الاسقاط المخطط أو التفجير الإرهابي التي ذهبت له دول كبريطانيا والولايات المتحدة أقرب للواقع.

على الجانب السياسي ظل الموقف الرسمي المصري جامداً غير قادر على التعامل مع وتيرة التغيرات والتطورات المتسارعة في الازمة، ويتمحور حول خطاب انتظار الانتهاء من نتائج التحقيق التي ستخرج من لجنته التي شكلها، بل وظهر أيضاً أنه غير قادر أو ربما غير راغب في قراءة الرسائل المنبثقة عن تلك القرارات، فقرار حليفته روسيا الأخير يعني أنها لم تعد تثق بقدرة القاهرة على تأمين مطاراتها وليس رعاياها فقط، بدا النظام المصري عاجزاً ولا يبالي وكأن ما جرى لا يعنيه بالأساس، وأن من سيدفع ثمن هذه الكارثة إن ثبتت تخمينات التفجير هي دولة أخرى غيره.

تلك التداعيات الجديدة لم تكن كافية أيضاً لدى وسائل الإعلام المصرية ليطرأ جديد على خطابها الإعلامي الذي هرع منذ اللحظات الأولى لاستحضار نظرية المؤامرة والترويج لان دوافع هذه القرارات ليس إجراءً احترازياً من تلك الدول لحماية مواطنيها، إنما نابع من مؤامرة دولية كبرى تحاك ضد مصر وتهدف الى إخضاعها وإركاعها.

الامر الذي لم يتوقف عند وسائل الاعلام بل امتد الى مواقع التواصل الاجتماعي، فقطاعات كبيرة من المصريين أغلبهم بالتأكيد من مؤيدي النظام دشنوا بدورهم عشرات الهاشتاجات التي تروج لتلك النظرية وتدعم الرئيس السيسي للوقوف في وجهة قوى الامبريالية العالمية .

إن استدعاء خطاب المؤامرة هو كالآبين الذي عادة ما تلجأ له النظم السلطوية من أجل تكريس واقعها المتردي فتكون هي الشماعة التي تستخدم للتبرير هذا الواقع أو لوأد أي حراك شعبي غاضب ومطالب بالتغير، في الحالة التي نعيشها الآن استخدم هذا الخطاب للسببين معاً فمع فشل الدولة في التعامل مع حادثة سيناء سياسيا وأمنيا، بالإضافة لزيادة رقعة الغضب الشعبي وخروج دعوات للاحتشاد في ميدان التحرير في الذكرى الخامسة للثورة نتيجة قمع وبطش السلطة لمعارضيها، وتردي الأوضاع الاقتصادية والأمنية في البلاد، وهو ما دفع السلطة لتكريس آلاتها الإعلامية في هذا الاتجاه .

السؤال الذي لم يجب عنه من روّجوا لهذه النظرية هو لماذا تتآمر الدول الكبرى على النظام المصري؟ وما الخطر الذي قد يمثله عليها حتى تخطط لإركاعه؟! نعم النظام العالمي رأسمالي امبريالي قائم على فكرة الهيمنة الاقتصادية وبسط نفوذه السياسية وإخضاع باقي دول العالم له وعليه فإنه سيسعى لإخضاع كل من يقف في وجهه او يمثل محور ممانعة لسياسته، كما كانت كوبا لعقود طويلة وإيران الخوميني.

كما أن أبسط قواعد الصراع هو التكافؤ، وأن يكون الصراع قائماً بين أطراف لكل منهم نقاط قوة وضعف وأدواته التي يستخدمها لحسم هذا الصراع لصالحه، فما نقاط القوة التي تمتلكها مصر لكي تخوض صراعاً وتخيف القوى العالمية؟!

مصر تصنف في مصاف الدول الفاشلة فعلى سبيل الذكر لا الحصر في ملف التعليم مصر تحتل المركز قبل الأخير عالميًا في جودة التعليم، وتحتل المركز الأول في نسبة الأمية عربيًا، وتحتل المركز الأول عالميًا في معدلات الإصابة بفيروس سي، وفي مجال البحث العلمي تكاد لا تذكر، وفي القطاع الاقتصادي الدولة على شفا الإفلاس، لن أكمل فالبقية معروفة.

وهذا يأخذنا لطرح سؤال آخر: هل مصر تمثل محور ممانعة للنظام العالمي والهيمنة الامريكية الغربية ام انها دولة تابعة تنفذ تلك السياسات؟ الإجابة قالها الرئيس السيسي نفسه في زيارته الأخيرة الى واشنطن: "مصر لن تدير ظهرها للولايات المتحدة حتى وإن أدارت هي ظهرها لنا".

وقبله وزير خارجيته السابق نبيل فهمي حينما وصف العلاقات بين مصر والولايات المتحدة بأنها كالزواج الشرعي، كما أن السياسات الخارجية المصرية تدور في الفلك الأمريكي والغربي، فجميع مواقفه من قضايا المنطقة الشائكة تأتي متناغمة مع مواقف تلك الدول، حتى في النواحي الاقتصادية تطبق مصر ما يملى عليها من سياسات اقتصادية من شأنها أن تؤزم الوضع الاقتصادي الداخلي وتفقر المصريين أكثر وأكثر .

ثم إذا افترضنا جدلاً أن تلك الدول ترغب في إسقاط السيسي فلماذا إذن يذهب اليها؟ ولماذا تفتح هي أبوابها له رغم الانتقادات التي تتعرض له من برلماناتها ومنظمات المجتمع المدني وجمعيات حقوق الانسان فيها بسبب السجل المصري السيئ في حقوق الإنسان؟ وتمنح لبعض أعضاء حكومته حصانات استثنائية لحمايتهم ومنعهم من المسألة؟ ألا ترى هذه الدول في حكمه ضماناً لاستمرار سياستها والحفاظ على مصالحها وألا يسعى هو من تلك الزيارات الى كسب مزيد من الشرعية والتأييد الدولي؟

يردد آخرون من أصحاب تلك النظرية أن محاولة إخضاع مصر هي من أجل ضمان حماية أمن إسرائيل، وهل مصر الآن تمثل حالة خطر على إسرائيل؟! أما أنها تعيش أفضل لحظات التناغم معها؟ ألم يقل السيسي إن مصر تعيش في سلام تام بفضل اتفاقية كامب ديفيد؟ ألم يدعو الى تعميم السلام مع الكيان المحتل ليشمل دولاً عربية أخرى بالإضافة في التنسيق والاشتراك معاً للحرب على الإرهاب المتمثل في الإسلام الراديكالي؟ ألم يغرق النظام الانفاق والحدود مع قطاع غزة لتنفيذ السياسة الإسرائيلية بمحاصرة القطاع وإخضاعه لها؟ ثم إن إسرائيل نفسها دائماً ما كانت تنظر الى مصر على أنها بوابة أمنية لها، وحينما احتلت سيناء في 67 كان بهدف إزلال عبدالناصر حتى يكفّ عن خطابه المعادي له والداعم للمقاومة وتحرير فلسطين، حتى أنها بعد ذلك عرضت بوساطة أمريكية حل الأزمة مع مصر والخروج من سيناء كاملة مقابل السلام التام مع القاهرة، وأن يكف عبدالناصر عن خطابه المعادي لها ومساعدة المقاومين العرب في فلسطين وهو ما عُرف بمبادرة روجرز سنة 1970 ورفضها عبدالناصر آنذاك، تحقق لإسرائيل بعد ذلك ما أرادت الأرض مقابل السلام في كامب ديفيد، وعادت سيناء لكنها عادت خالية من السلاح لتصبح على ما هي عليه الآن.

لقد وصلنا لمرحلة متقدمة من البؤس أصاب فيها العته عقول كثيرين منا حتى يظنون أن سقوط طائرة ومقتل 224 شخصاً في حادثة قد تكون الأولى من نوعها منذ أحداث 11 سبتمبر أمراً عادياً يحدث كل يوم وسيمر دونما تحقيقات واتخاذ إجراءات استثنائية، فإذا كنا نعيش في دولة يقتل فيه أكثر من 1000 شخص في بضعة ساعات، ويختطف فيها المعارضون من الشوارع، أو يصفوا خارج إطار القانون وتلفق لهم التهم، وتنتهك حقوق كرامة المواطنين كل يوم عشرات المرات وتلوث مسامعهم يومياً بخطاب إعلامي تحريضي دموي بامتياز، وترتكب كوارث ويخفق المسؤولون دون أن يحاسب أحد فهذه ليست طبائع الأمور.

الحقيقة أن الحديث عن مؤامرة ما هو إلا خديعة أخرى من مئات الخدع التي تروج لنا عبر آلة الدولة الإعلامية منذ عقود.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.