المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد الفيلالي صدوق Headshot

لننتحر

تم النشر: تم التحديث:

نعم كما قرأت، لننتحر.. إنها دعوة مني لك، أسمى دعوة من الممكن أن تحصل عليها يوماً، أنا أدعوك صديقي القارئ إلى أن تشاركني الخطوة التي أنوي أن أقوم بها، أدعوك إلى أن تشاركني الانتحار، إن كنت تسأل لماذا؟ سأجيبك:

لننتحر، ليس جسدياً بل روحياً، لنحرق أنفسنا ونشاهد ما فعلنا وكلنا ابتسامات فرحة تنتظر أن تتم أرواحنا احتراقها ويسقط رمادها لنجمع ذاك الرماد ونبني به أرواحاً جديدة.

لننتحر، لنقتل ذاك الأنا الذي خلق من رحم هذا المجتمع، ذاك الأنا الذي يرى العالم بعين نمطية، ويصنف الأشخاص أصنافاً محكوماً عليها غيابياً قبل أن يقابلهم.

لننتحر، لنقتل ذاك الأنا الذي يرى الفتى الإنسان الكامل في هذه الدنيا، هو صورة الإله، ويمكنه أن يقوم بأي شيء بلا رقيب أو حسيب فقط لأنه فتى.

لننتحر، لنقتل ذاك الأنا الذي يرى في الفتاة ذاك الكائن الضعيف الناقص عقل ودين، والذي عليه أن يعيش مكبلاً بعديد الأصفاد الاجتماعية ولا حرية له إلى إن وافقت حريته هوى راعيه.

لننتحر، لنقتل ذاك الأنا الذي يريد أن يعيش في دولة مسلمة تحكم بأحكام الشريعة ويطبق فيها القصاص، وهو أول من يحلم بقطع البحر من أول فرصة ليستمتع بحياة النصارى.

لننتحر، لنقتل ذاك الأنا الذي يرى نفسه الصواب، وأن الرأي رأيه، ولا رأي غير ما نطق لسانه، ويرى في كل آخر أحمق.

لننتحر، لنقتل ذاك الأنا الذي ابتعد عن عبادة الله، واختار إلهاً آخر هو المال يسبح بحمده صباحا ومساء.

لننتحر، لنقتل ذاك الأنا الذي قبل أن يعيش حياته كما خطط لها والداه، وأن يترك لهما القرار في اختيار مشاريعه المستقبلية بحجة أنهما أبواه.

لننتحر، لنقتل ذاك الأنا الذي يقبل أن يرى الظلم والعنف والاضطهاد ولا يحرك شيئاً ليغير ما يراه.

لننتحر، لنقتل ذاك الأنا الذي اختار أن يعيش حياة يحكمها الروتين ويكرر أيامه على نفس المنوال، وقد نسي أن التكرار هو أساس جهنم، جنة العذاب، حيث يعاد العذاب نفسه يومياً دون توقف.

لننتحر، لنقتل ذاك الأنا الذي يرى في المرأة وعاء لإفراغ رغباته الجنسية وتكملة لأثاث الدار وتتمة لصورة فرض عليه المجتمع أن يرسمها لنفسه.

لننتحر، لنقتل ذاك الأنا الذي يمنح الحق لنفسه أن يوجه أولاده أيما توجيه، وأن يعمي بصائرهم وأسماعهم ويدفع بهم دفعهم في طريق أرادها لنفسه، لكنه لم ينجح في تحقيقها.

لننتحر، لنقتل ذاك الأنا الذي يذم الفساد في المجتمع ليل نهار، وهو أول من يعيش من ريع هذا الفساد.

لننتحر، لنقتل ذاك الأنا الذي يستغل ذكاءه أو تكوينه العلمي ليسخر من ضعفاء هذه الأرض الذين لم يمنحوا الفرصة للوصول لما وصل إليه.

لننتحر، لنقتل ذاك الأنا الذي يرى في السيارة أو المنزل أو الهاتف أدوات تعريفية لمن يقابل، وليس وسيلة نقل أو مسكن أو وسيلة اتصال.

لننتحر، لنقتل ذاك الأنا الذي يعز الغني؛ لأنه غني، ويذل الفقير؛ لأنه فقير.

لننتحر، لنقتل ذاك الأنا الذي يؤمن أن الإنسان العربي إنسان متخلف هو أقرب للقرد منه للإنسان، ويرى الغربي إنساناً متحضراً هو أقرب للملاك منه للإنسان.

لننتحر، لنقتل ذاك الأنا الذي يرى في اللغة العربية لغة تخلف وهمجية، ونسي أنها لغة شعر وفن وأدب وقرآن.

لننتحر، لنقتل ذاك الأنا الذي اختار أن يعيش عبداً في دولة أو نظام يوفر له أساسيات الحياة، ورفض أن يعيش حراً في نظام ليس فيه أمان.

لننتحر، لنقتل ذاك الأنا الذي يرى نفسه إنساناً ضعيفاً محدود القدرات، ونسي أنه امتداد لصورة الله صورة الكمال، وأن باستطاعته إن أراد تحقيق ما أراد.

لننتحر، لنقتل ذاك الأنا ولنبنِ أنا جديداً، أنا يملأ قلبه بحب الله، وعقله بحب العلم، وتكون الإنسانية هي دستوره في الحياة، والتفوق على النفس هو هدفه في هذه الرحلة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.