المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد فكري Headshot

قريتي مثال ميت لصعيد مصر

تم النشر: تم التحديث:

من الوهلةِ الأُولى، وعِندما يُذكر صعيد مصر، فإنك تكاد لا يتبادر إلى ذهنك سوى قضايا الثأر والترعة، والبلهارسيا. وهذا ما ترك أثراً سلبيّاً كبيراً في نفوس البعض، وتجاهل البعض الآخر. دعني أُصرّح لك بكل أسف بأن ذلك أقل من الحقيقة يا صديقي، فالصورة أكثر سواداً مما سمعت.

كوني من إحدى القُرى الضعيفة والهزيلة في صعيد مصر، فإني سأنقل لك صورة قاتمة مما نعيش به في تلك القرية البائسة التي لا ينظر إليها شخص إلا في أوقات مُعينة. أقصد هُنا بأوقات مُعينة بكُل تأكيد هي أيام الانتخابات، سواء كان مجلس الشعب أو مجلس الشورى، فيتهافت علينا المُرشّحون من كُل مكان حولنا، بالطبع من يعرفون أن أصواتنا مُفيدة لهم، وإلا فلماذا سيأتينا.

قريتي الحزينة لا تملك في مجال الصحّة سوى مستشفى "وحدة صحية" وهي أسماء على غير مُسمّى، فإذا جئت إلينا قدراً كشخص عادي في تمام الثامنة، او التاسعة، بل والعاشرة صباحاً "رُبّما" ستجد جُدران المبنى تشتكي إليك مما تراه، فلا تكاد ترى موظّفاً واحداً حضر إلى عمله، أو (إن كان موجوداً) يتعامل معك كإنسان، أو حتى "بلديّاته". هذا ناهيك عن انعدام تواجد الطبيب مُعظم الأوقات، والمكان الخرب الذي تملؤوه القاذورات في كُل مكان، والإهمال والتسيّب على عينك يا تاجر.

أمّا من حيث الأمن والأمان، فنحن نعيش في مكان معزول كالمنفى، فقد تذكّرت عندما تحدّثت إلى أحد أصدقائي بالجامعة، فقال لي: "اللي عاوزين ينفوه زمان كانوا بيسفّروه برّه، إنما دلوقتي مُمكن يودوه بلدكُم"، والحقيقة أنهُ مُحق. فلا تكاد تحدث مُشاجرة بين العائلات بعضها البعض "وهو العادي في صعيد مصر" حتّى تخرج الأسلحة ويسود الهرج في كُل مكان، ولا حياة لمن تُنادي لرجال الأمن، الذين لم نرَ لهُم تأثيراً غير المكان البسيط الذي خُصص لهم في قريتي، وهو ما يُعرف بـ"النُّقطة".

وفي التعليم فحدّث ولا حرج، الإهمال تكاد تراه بعينك من خارج أسوار المدارس، في طريقة التعليم والألفاظ البذيئة التي يتفوّه بها الطلبة والمُعلمون في آن واحد "إلّا ما رحم ربّي"، ما جعل للدروس الخصوصيّة مرتعاً كبيراً بين ذلك الوسط التعليمي الهشّ والعقيم. هذا بصرف النظر عن الإهمال في النظافة والسلوك، وفساد التحصيل بشكل لافت للانتباه، وهذا ما يجعل أثرياء بيننا يُفضّلون توفير أماكن لأبنائهم في المدارس الخاصة في المُدن المُجاورة.

وإن توفّر لك الوقت لتنظر إلى شوارعنا، فسترى الحُفر والأتربة والحيوانات المُختلفة، وكأنك تمشي في قلب مزرعة حيوانات وطيور في قلب الصحراء. الحقيقة أن هذه النُقطة تحديداً نشترك فيها جميعاً من حكومة ومواطنون "وحتى المعيز اللي بتعدي في الشارع الكبير".

من المُحتمل أنك قد تصوّرت تلك الصورة الرديئة لبلدتي، لكنها ليست مُجرد مثال ميّت لصعيد مصر، إنما هي صورة معكوسة ونُسخة بسيطة لجميع قُرى الصعيد المُهمّش "تقريباً". وإن كان الأمر لم يُحدث بداخلك أيّة تغييرات فلا بأس، فلست وحدك الذي لم يشعر بنا، لا يا صديقي فأنا أبلغ من العمر 29 عاماً ولم أر مسؤولاً حكومياً ينظر إلينا بعين الرّحمة و"العطف"، وأننا أحد أبناء مصر مثلنا مثل من يعيش في القاهرة والغردقة وشرم الشيخ. لكنّ السلك مش موصّلّنا كهرباء.

ما قرأتهُ أنت الآن لا يُمثل إلا القليل مما في صدور ملايين المصريين الذين يعيشون في هذا الصعيد البائس الذي لا يجد لهُ نصيراً او مُعيناً بين مسؤولي الدولة. فالفلاح في قلبه كثير، وتنكسر على لسانه الكلمات الصعبة التي لا يعرف كيف ومتى ولمن يحكيها، ويشكو أوجاعه. ويقول الجُملة المُتعارف عليها في صعيدنا الصّابر دون استثناء: "خلّينا ساكتين".

حول الويب
صعيد مصر - ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
مذكرات طبيب في صعيد مصر الجواني

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.