المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد فكري Headshot

في مطلع عام 2016.. أفيقوا يرحمكم الله

تم النشر: تم التحديث:

في مقالي السابق، حاولت أن أزرع نبتاً صغيراً من الأمل والتفاؤل في قلبك، كي أجعلك تستقبل عاماً جديداً وبحوذتك فائض لا بأس به من العِتاد لتبدأ من جديد. لكنّي الآن وبكُل معاني الكلمة أسألك نفس ما أعطيتهُ لك في المقال السابق، وهو جرعة من التفاؤل تمنحها لي يا صديقي.

لا تتعجّب من الطلب، ولا تقُل لي الجُملة الشهيرة "فاقد الشيء لا يُعطيه" إني أكاد أُجزم أن فاقد الشيء هو أقدر الناس على أن يوفّرهُ لك، فلا معنى لفتاة حُرمت من الأُم من صغرها ألا تستطيع أن توّفر الحنان لصغارها عندما تُصبح أُمًّا يوماً ما. الآن نعود إلى نقطة البداية وهي كوني أُريدُ منك تلك المنحة التي أُحاول العثور عليها كي أبدأ معك عاماً جديداً وأُحاول الوصول إلى ما تصبو إليه نفسي.

دخولنا إلى العام الجديد 2016 يزرع العديد من المخاوف في قلبي، حيث نظرتي إلى أطفالي الصغار الذين لم يضعوا قدماً حقيقيةً على هذه الدُّنيا. فإن كمّ الطوابير التي أراها في كُل مكان "تقريباً" تجعل الأمر يزداد حِدّة في تقبلي لوضع أبنائي في المُستقبل القريب. دعني أُخبرك أنني لست في دولة غنيّة أو مُتقدّمة لكي أرى النجاح والتطوّر والرُّقي فيما أسير إليه ويسيرُ معي يوميًّا، فإن الروتين والطوابير لم يتركا باباً إلّا وطرقاه بحثاً عن مزيد من الملل والشقاء.. فأنا في مِصر.

حدّثني صديقي الدكتور شريف عن التقدّم الرهيب الذي وصلت إليه المملكة العربية السعودية -بحُكم تواجده المُطوّل في المملكة لعمله كطبيب- فيصف لي الوضع الحضاري والتكنولوجي الذي وصلوا إليه في التعداد والإحصاء وتوفير الخدمات الحكومية وتيسير الأمور بشكل أسرع وأكثر مرونة بشكل يُثير الإعجاب والإبهار. فما تكاد تطأ قدمك حدود المملكة إلّا وقد تم إدراج كُل بياناتك في نظام آلي مُحكم، بحيث يتيسّر عليك جميع الإجراءات التي قد تواجهك في المُستقبل وأنت داخل المملكة من استخراج أوراق وتصاريح وغيرها.

كُنت أُنصت إلى صديقي الدكتور وأهيم بخيالي إلى واقعنا المرير، وكيف سيتعامل أطفالي معه، كيف سيقفون بتلك الطوابير التي تكاد تتدخل في جميع أُمور حياتنا، فما أكاد أذهب لاستخراج بطاقة الرقم القومي من أحد المراكز أو السجلات المدنيّة حتى تقع عيني على طوابير طويلة من المُتقدّمين، الذين ينتظرون الأُستاذ والسيّدة وباقي الموظفين الذين لم يحضر أحدهم أو حضر لكنه يتناول إفطاره، أو يتوضّأ أو يتحدث في هاتفه الخلوي "والناس بتموّت بعض برّه من الزحمة" ثم يُرسلك إلى الموظف فلان ليختم لك أوراقك، ثم الموظف عِلّان ليوقّع لك على نفس الأوراق. ومن المُمكن ألّا تجد الموظف على مكتبهِ أو "الختم مِش في الدُرج".

المصالح الحكومية في جُمهورِيتنا غنيّة عن التعريف، فمن مرّ بمُحاولة إنهاء بعض الأوراق أو الإجراءات في تلك الأماكن يُمكنهُ أن يروي لك قصصاً مأساوية ومواقف وطرائف يجب أن يُلقى عليها الضوء أكثر من ذلك، فليس من المعقول بعد ثورتين مُتتاليتين يظل الروتين الحكومي "صديقنا الأنتيم" في كُل رحلاتنا إلى المكاتب والسّجلات.

الروتين أصبح سِمةً فينا أيضاً، فلم يعُد الأمر مُقتصراً على المصالح الحكوميّة فقط، إنما وصل إلى الشركات والمحال والمؤسسات والجمعيات الخاصة بكُل التفاصيل "تقريباً". يا جماعه "أنا باسمع عن الطوابير اللي عند عم فتحي بتاع الفلافل". فالأمر لا يُحتمل البتّة في تلك الأوقات التي نرى التقدم والحضارة تزدهر في كُل مكان مع دخول العام الجديد 2016.. فيما تقف الكثير من الدول العربيّة في مكانها مُستسلمةً للروتين والقوانين العقيمة التي تجعل من المواطن ما هو إلّا عبارة عن جماد يُوضع على كُل نافذة موظف ينتظر إنهاء أُموره مع تلك المصلحة.

الطوابير في أفران الخبز، أنابيب الغاز، المصالح الحكوميّة، المعاشات وغيرها. وأنا أتوجه بكلمة ضعيفة أو تحصيل حاصل إلى المسؤولين عنّا: أيها المُختصّون بشؤوننا، إني أخاف على أبنائي من تلك الطوابير والروتين الذي أعيش به أنا حالياً، أُود أن أرى لهم مُستقبلاً جيداً يجدون فيه ما يحلمون به من نجاحات وأنتم بتلك الطوابير والروتين اللذان يملآن قوانينكُم التي ينهال عليها التُراب تقفون حائلاً بينهم وبين ما يُحاولون الوصول إليه.

إننا على مشارف عام جديد يفتح ذراعيه أمام العالم للتقدّم والإنجازات والاكتشافات، والسرعة التي تخدم البشرية وأنتم تزجّون بنا إلى مزابل التاريخ. رجاءً، أفيقوا يرحمكم الله.

حول الويب
فاوتر مولمان: الروتين والبيروقراطية أبرز مشاكل السوق المصرية
السعودية تتطلع لتصدير الطاقة المتجددة مستقبلا
سنه جديده سعيدة 2016

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.