المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد فتوح والي Headshot

الطيبة المفترَى عليها.. وسؤال لِمَ؟!

تم النشر: تم التحديث:

"مَن لا يكرم نفسَه لا يكرمه الآخرون، ومَن يعتَاد التفريط فى حقوقه يعتَاد البعض منه هذا التفريط، ويعتبرونه حقاً لهم عليه..." عبد الوهاب مطاوع - رسائل محترقة.

في قصة (حيّ بن يقظان) افترض ابن طفيل أن طفلاً نشأ في غابة بعيداً عن البشر ثم وصل عبر الأيام والليالي إلى الله وطيب الأخلاق قبل أن يتعرف على البشر.

وبمعزل عن مرامي ابن طفيل الفلسفية من هذه القصة، فإن بطل القصة (حيّ) لما تعرف على البشر تعجب من قدرتهم على السوء وتغييرهم لفِطرتهم!

كان يكتشف البشر من جديد، بل على الحقيقة يتعرف عليهم لأول مرة بعدما كبر وحيداً معزولاً عن عوالمهم.. عوالمهم التي ما استطاع أن يعيش فيها حين تعرف عليها!

ونحن كذلك في هذه الحياة نتعرف من جديد، ونكتشف من جديد..

مَشَى الطاووسُ يوماً باعْوجاجٍ ** فقلدَ شكلَ مشيتهِ بنوهُ
فقالَ علامَ تختالونَ؟ قالوا: ** بدأْتَ به ونحنُ مقلّدوهُ
فخالِفْ سيركَ المعوجَّ واعدلْ ** فإنا إن عدلْتَ معدلوه
أمَا تدري أبانا كلُّ فرعٍ ** يجاري بالخُطى من أدبوه؟
وينشَأُ ناشئُ الفتيانِ منا ** على ما كان عوَّدَه أبوه

كان لنا أستاذ في المسجد يعلمنا ويقول: "مَن به صفة مذمومة يُكثر من إلصاقها بالناس".. كان يرجو زجرنا عن الغيبة والنميمة، وألا ننظر إلى الناس بعين النقص، مهما كان فيهم من السوءات. ألا نرى فيهم السيئات بأي حال، كان إنساناً جميلاً.. طيباً جداً.. رضي الله عنه وأرضاه.

صدقنا أستاذنا.. فكنا لا نُبصر في الناس غير الجمال.

لم نشعر قط بأن صفات النقص التي تظهر لنا هي الأصل فيهم، فالأصل في الناس الفطرة كما أخبرنا الأستاذ، الجمال والخير، وحب الخير للناس جميعاً، حتى صرت أصف جُلّ معارفي بصفة واحدة (طيّب).
(طيب) صفة جميلة، وجامعة لمعانٍ عظيمة من معالي الأخلاق، تختصر الكثير في كلمة واحدة..

طيب في اللغة تعني الكلام الحسن، وتعني الحال الطاهر العفيف، والسكون للروح والطمأنينة، وأصالة الطبع.
لا تعني أي صفة ذم أو سلب كما يتصور الناس.. واللهُ طيب لا يقبل إلا طيباً..
لم أفهم هذه الكلمة يوماً إلا بهذا المعنى.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"2"

حينما كنت أقول لبعض الناس إنهم طيبون، كانوا ينزعجون وكأني رميتهم بسهم مسموم!
لا أنسى حين قلت لصديق في جامعتي، وكانت بيننا معاشرة طويلة: (أنت طيب يا فلان)، قال منفعلاً: (انت ما تعرفنيش، ما تقليش أنا طيب أنا شرير!).
لم يكن يمزح ولم يكن كلاماً عابراً، وإنما تكلم بشيء أراد ترسيخه!
تكرر هذا الموقف مع آخرين، كلهم يود تأكيد صفة الشر فيهم!
كان عجبي عظيماً.. ماذا يُضيرهم إذا بقوا على فطرتهم دون تلوث؟!
لمَ لا يرون الجمال في أنفسهم.. ويُصّرون على أن يستخرجوا قبح نفوسهم في العلن!
حتى صرت أتخوف من كلمة (طيب) نفسها، صارت مصدراً للقلق والخوف!
ترى الناس كلهم طيبين، بيد أنهم يحبون نسبة الشر لأنفسهم، ويرون الطيبة مسبّة!
فلمَ؟!
كأن الناس اتفقوا على أن ينزعوا عنهم الخير والوفاء!

لم تكن (طيب) وصفاً مجرداً.. وإنما هي وصف وحال..
حال يعامل به الطيبون غيرهم.. يعاملون الناسَ على أصل طيبتهم، ويعاملهم الناس بشرور أنفسهم.. فلِمَ؟
لعل هذه الأداة الاستفهامية (لِمَ) هو الأكثر بشاعة بين الناس؛ لأنها سؤال عن العِلة لشرورهم!
العلة عن الشر الذي صدر، عن السوء الذي حَلّ بهم وخرج منهم، عن الكذاب الذي تبدل مكان الصدق!
على الشر الذي فاضَ على الناس حولهم، الشر الذي فاض أول ما فاض على من أحبوهم وبوأوهم المنزلة!
فلِمَ؟!

كل مرة أرى الشر في تفاصيل الناس الصغيرة، أتعجب.. ألا يكفي الناس شرور الدنيا؟!
الأمراض والأوجاع والآهات والحروب.. ألا يكفي هذا حتى يضيفوا إلى تفاصيلهم الصغيرة شروراً أخرى؟!
ما الدافع من شرور يمكنهم السلامة منها؟ ألا يدرون أن البشر ليسوا متاعاً ورثوه من آبائهم؟!

كنت أسمع قصص المظلومين ويَئنُ قلبي لهم، كنت أحسبهم استثناءً في هذه الدنيا.. تبدل الحال وأصبح أهل النقاء الحق هم الاستثناء في هذه الدنيا!

البيع والشراء.. البذل والعطاء.. الصفح والعفو.. المؤاخذة والمعاقبة.. كل أبواب الدنيا أصبح البشر يتفننون في ممارسة السوء فيها.. فلمن خُلقت الجنة إذاً؟!

الخِسة والغدر في صورة ثوب النوايا الحسنة.. الحقد والحسد لِما فضل الله به بعض العباد على بعض.

موازين المادة الحقيرة التي لا تقيم في الناس دِيناً ولا دُنيا وتحجب الناس عن جنة الدنيا والآخرة؛ صارت هي الأصل المعيار والحكم!
فلِمَ؟!

يقضى على المرء في أيام محنته
حتى يرى حُسنا ما ليس بالحسن

لمَ؟!
هذه الأداة الاستفهامية التي يغيب تحت سياطها كل معاني الخير وإنا لله وإنا إليه راجعون.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

"3"

في كل مشهد نقول لأنفسنا: هناك خطأ ما.. نلتمس العذر لعباد الله.. الراحمون يرحمهم الرحمن.

بمرور الأيام نجده هذه الأيام أخذت منا الكثير، ولم تعطِنا.
أخذت منا بإرادتنا؛ لأننا اعتدنا العطاء، ثم بخلت عليّنا بفتات قليل..

ومن اعتاد الأخذ يبخل ولو بكلمة حانية أو ضمة وسط الشقاء أو حديث صادق.. وهذا لا يكلفه شيئاً على الحقيقة.. لكنه ما اعتاد البذل بعد!

مراوغون.. لا يعرفون للتضحية سبيل، ولا للصدق والصراحة طريق.. غفرانك اللهم.

مع الأيام رأينا وجوهاً أخرى للناس، كنا نرجو أن يعصمنا الله من رؤيتها، أو يعصمنا أن نراها في أنفسنا وأحبابنا.. لكنها الدنيا، وهؤلاء هم البشر الحقيقيون.

لا شك أن الزمان لا يخلو من بشر أسوياء الإنسانية لم يتخذوا دارون ونظريته في أكل القوي للضعيف قدوة.. فالخير في الناس باقٍ.. باقٍ لكنه رزق.. والله كتب لك عبد رزقه.

أن تستريب في صِدّق قريب أو صديق أو رفيق.. فيمن أخلصت له أو معه.. فإن هذا ذروة بلاء!
فإن استطعت ألا تتعدى الريبة إياه فافعل، فإن الريبة تعدو إلى ما عداها، وتزحف لكل من كان حاله كحاله فيفسد البستان كله بثمرة واحد قد عطبت..
والنفس تحب الجموح.. وأنت مطالب بمداواتها وحجزها في آن.. فيا للشفقة عليك..
وإن الكذب ريبة، والصدق طمأنينة.
وإن الكذب ريبة، والصدق طمأنينة.
وإن الكذب ريبة، والصدق طمأنينة.
فاتقِ الله.. وكن مع الصادقين.

وفي الأيام عِبرة لمعتبر.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.