المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 محمد فهيم Headshot

معزة مصر ومعيز فنلندا وقاضي البامبرز ومستر بكا

تم النشر: تم التحديث:

كانت التاسعة صباحاً بتوقيت القاهرة وهلسنكي في شهر مارس/آذار عام 2003، دخل "مستر بكا" مدير معهد "رانتا سالمي" للبيئة في فنلندا إلى قاعة الدراسة حيث نجلس، عابس وجهه الأحمر، مقطب جبينه العريض، منكوش شعره الأصفر، يتدحرج جسده الفحل غاضباً وسط خيلاء وكبر، وبصوت يفوح منه رائحة عنصرية أوروبية بغيضة، تتهمنا نحن الذين جئنا إلى أقصى الشمال من هناك جنوباً حيث العالم الثالث المتخلف والشرق المسلم الرجعي، وحيث نقبع في العالم العربي بنهاية ذيل الشعوب.

واعتلى "بكا" مكان المحاضر وخاطبنا بقوله: "أتظنون أنكم في بلادكم تسرحون خلف الإبل، أنتم هنا في بلاد الحضارة، ولا يمكن لكم أن تفعلوا في بلادنا ما تفعلوه في بلادكم".

حدة "بكا" وعنصريته التي لم يبدها على مدى فترة دراستي ورفقاء مصريين في المعهد الذي يديره، انفجرت مصحوبة بمشاعر حقد وغل وكراهية قفزت عليه من القرون الوسطى، لمجرد أن رأى الرجل الليبرالي العلماني لأقصى معاني المفهومين، ثلاثة مصريين يتحدثون خارج الفندق مع ثلاث فتيات فنلنديات أقل من 14 عاماً.

ثارت حفيظتي وشعرت بكثير من الإهانة لي ولأمتي ووطني وتخلصت من تلك الغصة التي أصابت حلقي وأردت أن ألقن ذلك "البكا" درساً في التاريخ وأذكره بمن نحن وكيف كنا؟ وقلت له: "إن كانت تلك هي حضارتكم فنحن الذين أوصلناكم لهذا المرتقى، فلا تعيب علينا تراجعنا حتى لا أعيب عليكم تخلفكم فيما مضى".

هدأ "بكا" شديد الذكاء من عنصريته ونجح في امتصاص غضبي وأقراني وعن طريق المترجم المصري المقيم في فنلندا والمتزوج من مغربية، راح يشدو بتاريخ الفراعنة وحضارة مصر، دون أن يتحدث عن تاريخ الإسلام.

وجاءت واقعة "المعزة" الشهيرة بمصر لتذكرني بموقف "مستر بكا" رغم ما يمثل لي من جرح وإهانة، لتعرفني قدر ذلك الرجل كمواطن أوروبي يخاف على مشاعر فتيات صغيرات لم يبلغن الحلم، ودافع عنها بكل ما أوتي من قوة واستحضر عنصرية القرون وكاد أن يطلب الشرطة لترحيل الزملاء الثلاثة لمجرد احتمال جرح عذرية فتيات لا يعرفهن شخصياً.

وفي المقابل أذهلني ذلك الأب المصري المسلم الذي هزأ بأُم خافت على طفلتها، من ابنه الذي قبلها في المدرسة في 13 مارس/آذار الماضي، وقال قولته الشهيرة "اللي عنده معزة يربطها"، فأذهلني ذلك الحرص على الآخر في مجتمع يصفه البعض بالكافر الشاذ، وأذهلني ذلك التهاون في حقوق الغير في بلد يدعون كذباً أن شعبها متدين بطبعه.

حتى جاءت "واقعة البامبرز" الجمعة 24 مارس/آذار، لتهز الشارع المصري لفظاعة الجريمة، بعد خطف عامل عمره 35 عاماً للطفلة "جنا" التي لم تتجاوز الـ20 شهراً ثم اغتصابها بوحشية في مكان مهجور بقرية دملاش مركز بلقاس في محافظة الدقهلية، لتنهي على ما تبقى لديَّ من ذهول.

ليعيد ذلك القاضي الرحيم طيب القلب نقي السريرة الذهولَ لي من جديد بعدما طالب المجتمع بالغفران لمغتصب "طفلة البامبرز".. ثم ارتدى ثوب المسيح عليه السلام، وقال كلمته الشهيرة: "من منكم بلا خطيئة"، وكأن لسان حاله يقول إن ذلك المغتصب الماثل أمامكم طيب وجميل ونقي وندم على فعلته وما يقصدش.

حقا أذهلني نداء القاضي الرحيم طيب القلب نقي السريرة على المغتصب باسمه قائلاً بكل حب وود ورقة يا "إبراهيم"، فشعرت أنه ينادي على سيدنا إبراهيم عليه السلام بكل حب وتقدير وإجلال لنبي الله الخليل (حاشا لله أن يذكر اسم نبيه في موقف كهذا).

أذهلتني سهوكة القاضي الرحيم طيب القلب نقي السريرة أبو قلب دهب الذي ذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم، وقال للمغتصب يا إبراهيم: "لقد تبت توبة لو وزعت على أهل الأرض لوسعتهم".

أذهلني ذلك القاضي الذي يتحدث باسم عيسى "المسيح" عليه السلام، ونبي الرحمة محمد صلى الله عليه وسلم، وفي المقابل لم يرَ للمجتمع حقاً في أن يعيش آمناً مطمئناً، ولا لأم أن تأمن على رضيعتها ولا ينزع عنها أحد البامبرز إلا هي.

أذهلني ذلك القاضي عندما مدح الجاني وأشفق على مشاعره المرهفة، بينما مستر "بكا" ذلك العنصري السمج حافظ على حق صغيرات لا يعرفهن؛ لأنه حق الآخر في أن يعيش، وهو ما نطالب به لأنفسنا في بلادنا إلا أننا ننكره على الآخرين.

وبما أننا في مصر ولسنا في فنلندا، أقول للشباب المتحرش بـ"فتاة الزقازيق" أو "فتاة عبد الخالق ثروت" أو للمحامي الذي تحرش بـ"محامية طنطا" وغيرها وغيرها: أيها الأبله لا تتحرش.. اغتصب فوراً أول فتاة تقابلها بالطريق، ولكن انزع عنها البامبرز أولاً، واطمئن أيها المغتصب الجميل فخلفك قاضٍ رحيم طيب القلب نقي السريرة يحب المغتصبين.

وبما أننا لسنا شعباً فاسقاً شاذاً فاجراً ومتدين بطبعه، أقول للشباب الذي لا يستطيع الزواج ويئن لتبعاته من "مهر وشقة وعزال وشبكة": لا تتزوج.. اغتصب فوراً أول فتاة تقابلها بالطريق، ولكن انزع عنها البامبرز أولاً، واطمئن أيها المغتصب الجميل فخلفك قاضٍ رحيم طيب القلب نقي السريرة يحب المغتصبين.

وبما أننا لسنا في فنلندا وقد يكون مستر "بكا" قد توفي أو كبر في السن، أقول لفتيات شريفات عفيفات طاهرات ثيبات وأبكار: احذرن لأنفسكن من جيرانكن، وفي العمل من أقرانكن، وفي الأتوبيس والمترو والميكروباص والتوك توك ممن ارتوت عروقكن وعرقهم بماء وزرع وهواء واحد، وحملتكن معهم أرض وأظلتكن وإياهم سماء وخطف قلوبكن وقلوبهم قمر أو أدفأتكن وهم شمس واحدة، ولا تنسين أن تغلقن عليكن الحجرات خشية إخوتكم الذين جمعكن بهم رحم واحد وسقاءان اثنان، واحذرن آباءكم الذين جئتم من أصلابهم؛ لأن هناك قاضياً رحيماً طيب القلب نقي السريرة يحب المغتصبين.

وبما أننا في مجتمع نسب الخصوبة فيه مرتفعة (2.6 مليون مولود سنوياً)، ولسنا في فنلندا (1917 ألف طفل فقط من يناير/كانون الثاني إلى يونيو/حزيران 2016)، أقول للأمهات المصريات: لا تنجبن أطفالاً؛ لأن مصير أولادكن الذكور والإناث سيكون بين يدي قاض رحيم طيب القلب نقي السريرة يحب المغتصبين.

وفي النهاية أقول للمستضعفين والمظلومين والمقهورين والمأسورين في معتقلات وسجون الظالمين: خسارة كبيرة لو أنكم مغتصبون، فهناك قاضٍ رحيم طيب القلب نقي السريرة يحب المغتصبين.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.