المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 محمد فهيم Headshot

"بشرى سارة".. اقتلوا المصريين وابدأوا بالصحفيين

تم النشر: تم التحديث:

"يا مجمع الزفت، أنا قلبي شبع منك لا موت بياخدك ولا مصيبة بتلمك"، تلك الكلمات طالما رددها فقراء المصريين في عهد الزعيم خالد الذكر جمال عبد الناصر؛ أما أن يطنطن آلاف الصحفيين "ضمير الأمة" بمثلها كل يوم، فهذه -يا صديقي- هي الفاجعة التي لن تبقي على حقيقة دون تزييف، أو كلمة دون تحريف، أو تعيد حقاً لأهله أو صاحباً ليصدق صاحبه.

الحكاية -يا صديقي- بدأت بـ"بشرى سارة" أطلقتها صحفية مصرية شابة عبر صفحتها بفيسبوك؛ انهالت إثرها عشرات التعليقات متوقعة أن تكون تلك البشرى السارة هي: انتحار السيسي والثورة على عصابته، أو هلاك بشار الأسد والتخلص من شبيحته، أو إسلام دونالد ترامب وحجاب زوجته، أو تنازل نتنياهو عن مشروع دولته، أو وصول الثوار لميدان التحرير، أو تحرير الرئيس المعتقل، أو انخفاض أسعار اللحوم والدواجن والبصل، أو توفير السكر والزيت والجاز والغاز، أو تحول أرض مصر لبحيرة بترول، وصحاريها لمنجم ذهب وأمطار بلا سيول، أو وصول مصر لكأس العالم أو عودة لمصر السياحة ولترعة السويس الملاحة.

تخيل يا صديقي: كانت هذه أقصى أحلام زملاء مهنتها من الصحفيين، ولكن صحفيّة "البشرى السارة" كانت ترد على كل تعليق بخبث شديد وبرود قاتل، وتقول: "لا لا، ما جئتكم به يفوق وبكثير، إنه السحر"، وبعد إلحاح وتوتر وعناء، وشد وجذب وهجاء؛ قررت أن تخبر الجميع بالخبر السار وقالت: "بدل النقابة نزل يا شباب".

عاد -يا صديقي- سيل التعليقات من جديد، وكان جله شكراً وعرفاناً وتقديراً وامتناناً لزميلتهم الجميلة الرشيقة الرائعة الرقيقة على هذا الخبر الذي لم يتخيله أحد، معترفين بأن ما تبقى في جيوبهم هو بضعة جنيهات رغم أننا في 22 منه، بينما لم يصدق آخرون بشارتها واعتبروها كذبة فبراير/شباط، ولم يصدقوا؛ حتى أقسمت أن ما تقوله حقيقة.

صدقني يا صديقي: هذا هو حال جل الصحفيين بمصر، وما يتحدثون عنه هو بدل النقابة البالغ 1400 جنيه (80 دولاراً أميركياً)، كما يعيشون بين معدومي الدخل من المصريين تحت خط الفقر الذي كلما هرب منهم جروا خلفه نحو القاع، فيما ينتظر الأفاقون منهم كالعبيد فتات سادتهم ويرقصون له، ويفرحون بما تبقى من بين أنياب الذئاب ويقيمون له الاحتفالات، ويتبعونه بآي الشكر والتسبيح وعبارات الثناء والتمجيد، وينقبون في مخلفات الكبار علهم يظفرون بشيء ما كملايين الفقراء.

ورغم أن عدداً غير قليل من الصحفيين شارك في حملات تزييف الوعي وشوه تجربة المصريين في الثورة؛ فإنه -يا صديقي- بلا ثمن، فحطموا حلم الشعب في أن يختار رئيسه أو أن يحافظ على مكتسباته كباقي الشعوب، وقتلوا حلم جيل في يوم مشؤوم، وغنوا ورقصوا وهتفوا لمدافع ورشاشات الغدر، وسبوا القتيل وأكلوا لحمه ميتاً وتغنوا بمجد وشرف وعزة القاتل ومحوا عن سجله الغدر والخيانة وعن ثيابه دماء الأبرياء.

نعم، انساقوا -يا صديقي- بلا مقابل خلف قادتهم من كبار المرتزقة الذين حصدوا كل الغنائم في دولة العسكر، ليبيعوا المهنة ويضيعوا المهنية ويخونوا المصداقية ويهينوا الحقيقة، ولهثوا خلف الشيطان الآمر بالتعليمات الناهي في المانشيتات، دون أن يقبضوا الثمن كملأ فرعون، وقبضه الزبانية؛ ملايين وعقارات وسيارات وبرامج تليفزيونية وكلمة مسموعة ومصالح لا تنتهي.

يا صديقي: إنها حقيقة مُرة وواقع مؤسف ذلك الذي يعيشه جل الصحفيين في مصر، في ثوب الحصابلية وألوان المطبلاتية فيإصرار على مواصلة التزييف، وحجب الحقيقة، وتزيين الباطل، واللعب بالكلمات، والمقابل جوع وفقر وذل وقهر ولهث حول ملاليم النقابة أو مكافأة بدل تعريض للنظام أو بدل تزلف للبيادة، لإرضاء رؤساء التحرير وقادة جمهوريات الصحف من المليارديرات والكناسين تحت أقدام العسكر والزبالين من كل العصور.

واليوم مع انتخابات نقابية (3 مارس/آذار) مقرر فيها أن تباع النقابة عن آخر حجر منها لدولة العسكر، فهل هناك من أمل يا صديقي في الجماعة الصحفية؟ هل يمكن أن ينقذ الصحفيون نقابتهم من السماسرة الذين يتسابقون على بيع شرفها الغالي بالرخيص من الوعود؟ هل ستظل أقصى أماني الصحفيين هي الحصول على البدل قبل موعده أو زيادة ملاليمه بعض القروش، أو زيادة التعريض والتوسع في الكذب للحصول على مكافأة زائد رضا رئيس التحرير مندوب أمن الدولة بالجريدة.

قل لهم يا صديقي: لقد خزلتم وطنكم، وسجنتم شرفاءكم، وقدمتم سفهاءكم، وأهنتم أنفسكم، وبعتم كرامتكم، وتنازلتم في الشهر العقاري عن ضميركم.

قل لهم يا صديقي: لا أجد سوى كلمة لمصري حزين على واقع بلاده قال فيها "شعب لا يعرف مصلحته لا يصلحه إلا الموت".

بعد ذلك الحوار الطويل، رد صديقي على رسالتي قائلاً: "أرجوكم: ابدأوا بالصحفيين".

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.