المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد عز  Headshot

ثلاثية الجهل والفقر والإهمال

تم النشر: تم التحديث:

شاءت الأقدار أن أقضي بعضاً من الوقت في مستشفى الصدر بالمنيا الجديدة، وسط مشاكل الناس وهمومهم وأمراضهم، تسيل دموعك في اليوم عشرات المرات، وينفطر قلبك حزناً على ما ترى من الحالات الحرجة.

في العنبر رقم 3، كان يرقد في الركن الأيسر "أ.ش"، ذلك الشاب الذي ابتلي بتليف في الرئة وفشل في التنفس قبل أن "يدخل دنيا".

-قصة (أ) جزء 1

(أ) شاب في نهاية العقد الثاني من عمره، بشوش الوجه، متهلل الأسارير، يضحك كثيراً ليداري همومه وآلامه، لا تتحدث معه حتى تنجذب إليه، لو لم تعرفه يبادرك بمداعباته ويجبرك على أن تجاريه.

وعكات المرض أغلقت عينه اليسرى قليلاً، وآلامه جعلت وجهه شاحباً، لكن غطى هذا الشحوب ابتسامة دائمة مرسومة على شفتيه. لا تجده شا كياً ولا باكياً ولا فاتراً ولا يائساً من قضاء الله وقدره، فمعظم كلماته "الحمد لله على كل شيء".

-هامش 1

نشأ (أ) لأسرة فقيرة في إحدى قرى محافظة المنيا، لأب مزارع بسيط يستأجر الأرض، ولأم ربة منزل بسيطة، يمتلكان أربعة أبناء وبنتاً واحدة.

بدأ (أ) -الذي ترتيبه الأكبر في إخوته- العمل منذ أن كان طفلاً في المرحلة الابتدائية ثم في المرحلة الإعدادية ليكسب خمسة جنيهات يومياً.

وفي المرحلة الثانوية انتقل (أ) للعمل في القاهرة؛ ليكسب ما يقضي حاجته حتى يستطيع إكمال مرحلة الدبلوم.

عمل (أ) في بادئ الأمر في سوبرماركت، ومع ضغوط الحياة وغلاء الأسعار وعدم جدوى العائد من عمله في السوبرماركت، انتقل (أ) للعمل في "فرن خبز بلدي".

أسرة تعيش بالكاد وتنجب خمسة أولاد؛ لا شك أن هذا نتيجة للجهل وعدم التفكير وعدم الوعي بضرورة توفير حياة كريمة لأولادهم، وينتج عدم الوعي من الوقوع ضحايا الجهل والتفكير الخرافي كـ"المولود بييجي برزقه" أو "ربنا ما بينساش حد" وقد نسوا "رحم الله امرأ عرف قدر نفسه"، أدى ذلك إلى عدم تخطيطهم لمستقبل أبنائهم، وماذا سيحدث بعد إنجاب الأبناء؟

لقد دفع الجهل هذه الأسرة -وغيرها الكثير- إلى العيش على شفا حفرة من الفقر المدقع بل في الفقر المدقع بعينه.

لم تكن الحكومة والنظام السياسي بمنأى عن المشهد الراهن، فالأنظمة السياسية المتعاقبة لم تضع حلاً لكل هذه الإشكاليات، ووقفت في معظم الأحوال مكتوفة الأيدي، فلا هي التي تضع القوانين الصارمة التي تجبر الفرد على ألا ينجب أكثر من ثلاثة أبناء أو أربعة كما هو معمول به في عدد من الدول المتقدمة -كأن ترفع عن المولود الزائد عن العدد المسموح به أي دعم مستحق لذويه- ولا هي التي استطاعت أن توفر الحاجات الأساسية لهذه الأسر كالحق في التعليم الجيد، والرعاية الصحية المتميزة في أبسط الحالات.

-قصة (أ) جزء 2

كانت بداية العمل في "الفرن البلدي" مرحلة فارقة في حياة (أ)، فقد أثرت طبيعة هذا العمل على صحة (أ) وأصابته بـ"حساسية على الصدر"، وانتقل (أ) بعدها للعلاج في أحد المستشفيات الحكومية بعين شمس القريبة من عمله آنذاك، ولكن كل الأطباء قرروا أن حالته بسيطة "شوية التهابات في الرئة وإن شاء الله هيكون كويس".

وبدأت حالة (أ) تسوء يوماً تلو الآخر، كان ذلك في عام 2007، وفي عام 2012، في مستشفى المنيا الجامعي عندما أصيب (أ) بضيق شديد في التنفس ونقل إلى هناك -كان قد حدث له ذلك من قبل عدة مرات، ولكن أساتذة عين شمس قرروا أنها التهابات بسيطة- اكتشف (أ) أن حالته قد تدهورت، وبعد الفحوص الطبية كان تشخيص الأطباء بمستشفى المنيا الجامعي أن (أ) يعاني من تليف في الرئة وفشل في التنفس.

يعيش (أ) منذ عام 2012 على جهاز الأكسجين ما لا يقل عن 16 ساعة يومياً، والآن لا بد له من 24 ساعة يومياً على جهاز الأكسجين، بعدما تدهورت صحته وأصبح لا يستطيع الوقوف على قدميه.

-هامش 2

كان (أ) ضحية لثلاثة عوامل مجتمعة "الفقر والجهل والإهمال"؛ الفقر الذي من خلاله لم يستطع (أ) أن يعالج نفسه على نفقته الخاصة قبل أن تتدهور حالته، ولجأ إلى المستشفيات الحكومية التي انعدم في معظم عامليها الضمير، ونظروا إلى الفقراء بعين الإهمال والتحقير، الفقر الذي دفع الأطباء إلى محاولة الاغتناء أو توفير حياة كريمة لهم ولأسرهم، فقضوا معظم أوقاتهم في عياداتهم الخاصة مستقطعين ذلك الوقت من أوقات عملهم الرسمي التي لا تكفي عوائده احتياجاتهم الأساسية.

والجهل الذي طفح علينا في كل المجالات، لا سيما في مجال كالطب، ما جعلهم يستهينون بحالات المرضى، أو على أقل تقدير لا يقدرونها بالطريقة الصحيحة، ما جعل حالة كـ(أ) تسوء يوماً بعد الآخر، والإهمال الذي صار سمة تسم الحياة من حولنا.

(أ) كان ضحية الأنظمة البائدة والنخب الفاسدة والأطباء معدومي الضمير.

(أ) يا سادة، وغيره المئات بل الملايين، يعيش اليوم ولا ينتظر الغد، (أ) يضحك ويعيش ما تبقى له من أيامه التي يعرف جيداً أنها أيام معدودات، يقول (أ): "أنا عارف إني مش هقف على رجلي تاني".

إن الفقر الذي ينتج عن الجهل وينتج كليهما الإهمال في حلقة مفرغة دارت مراراً وتكراراً لن تنتهي دون نظام متكامل واستراتيجية واضحة لانتشال ملايين الأسر من أوضاعها التي تسوء يوماً بعد الآخر، لن تنتهي بدون نظام يضع على رأس أولوياته توفير حياة كريمة لمواطنيه، وتعليمهم تعليماً جيداً يغير العقول والثقافات لا يجمدها، بدون نظام يوفر نظاماً صحياً متكاملاً لجميع أفراده، لن تنتهي بدون نظام يسعى إلى تحقيق عدالة اجتماعية حقيقية وإعادة توزيع للدخول بطريقة عادلة.

إلى متى سنظل مهمِلِين ومهمَلين؟ إلى متى لن نكافح هذا الثلاثي اللعين؟

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.