المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد العوشن  Headshot

إدمان الالتهاء

تم النشر: تم التحديث:

نسمع ونرى الكثير عن إدمان المخدرات بأنواعها، ومسببات ذلك الإدمان، وخطورته على حياة الواقع فيه، وعلى بيئته المحيطة به، غير أننا نغفل ونتجاهل ونهوّن من أنواع أخرى من الإدمان الضارّ، والمنتشر في المجتمع، وإن كان غير محرم دولياً.

ومن تلك الأنواع التي أخذت في الازدياد، خصوصاً مع تزايد سرعة إيقاع الحياة، وكثرة تعقيداتها، وتشعب علاقاتها، وتعدد مجالات العمل والتواصل فيها: "إدمان الالتهاء".

نعم إنه إدمان الالتهاء الذي ترى فيه "المصاب" مشغولاً طوال الوقت، مفرّطاً في الكثير من الجوانب، غير متوازن في مجالات حياته، يلهث ثم يلهث ثم يلهث..
لا ينام إلا حين يفقد القدرة على الاستيقاظ، ولا يرتاح إلا على فراش المرض حين يعجز الجسم عن التحمّل، ولذا لا غرو أن تجد هذا المدمن يعبّ من المنبهات كالقهوة والشاي وأشباهها، ويتناول المسكنات لتجاوز صرخات الجسم المتعبّ من كثرة الإرهاق.

وحين يكتشف المدمن وقوعه في ذلك الإدمان بعد وقوعه في أزمة كبرى كالجلطة، أو السكري، أو الضغط، أو الطلاق، أو نحوها، ويرى بعينيه حجم الضرر الذي طاله من جراء ذلك الإدمان، فإن ردّة الفعل تكون غير متوازنة، فينسحب عن ميدان العمل والحياة فجأة، ويترك كل عمل مناط به، وينطوي على نفسه وذاته، محملاً بمشاعر الندم والأسى، مستشعراً أنه فرّط كثيراً، ولم يعد كل ذي حقّ حقّه، وللانسحاب -كما للإدمان- أضراره كذلك.

ولهذا كان من المهم أن نعرف علامات هذا الإدمان، وتأثيراته، آملاً أن تفتح الباب لمزيد من الحديث حول إدمان الالتهاء، والتعافي منه بشكل فعلي.
* إدمان الالتهاء: يجعلك تعيش ضغط المواعيد المتتالية، والانشغال التام باللحظة الحاضرة، والغفلة عن التخطيط الشخصي ورسم "رؤية" و"مسار مهني محدد".
* إدمان الالتهاء: هروب من مكاشفة الذات، والتفرّد بها، والخلوة معها، بالحرص على الانشغال الدائم، لأن الخلوة تثير الكثير من التساؤلات الحرجة.
* إدمان الالتهاء: يمنع المرء من إجراء المراجعات الدورية لمسيرته في الحياة، وتوجهاته وأولوياته وإنجازاته وإخفاقاته.
* إدمان الالتهاء: يمنع صاحبه من الاستمتاع بالإجازات القصيرة والطويلة والاسترخاء وسط الضغوطات، وحتى حين يأخذ إجازته، فإنه يقوم بتنغيصها بالاتصالات والمتابعات والمواعيد، مصحوباً بالقلق من أن يحدث للعالم مكروه في حال غيابه.
* إدمان الالتهاء: يَفتَرِض المُصاب به أن مشكلة كبرى ستحدث حين يقول: "لا" لمن يطلب منه موعداً أو خدمة، أو حين يغلق جواله، أو حين يرنّ الجوال فلا يرد عليه لبعده أو انشغاله.
* إدمان الالتهاء: يترتب عليه أن يكون أداء صاحبه باهتاً، وتفقد مشاركاته روحها ونكهتها الخاصة شيئاً فشيئاً من جراء الإنهاك المتواصل الذي بموجبه يتم أداء الواجبات للتخلص من مسؤوليتها، فليس لديه الوقت للإبداع والتطوير والتغيير.
* إدمان الالتهاء: أن يكون المرء متاحاً للتواصل معه أربعاً وعشرين ساعة في اليوم، ولمدة سبعة أيام في الأسبوع، طوال اثني عشر شهراً في العام، فهو لا يجد أوقات انفصال عن العالم بكل ضجيجه ومشاكله ومشاغله.
* إدمان الالتهاء: انشغال عن صحة الجسد والروح، ونتيجته المؤكدة حينها: الانهيار فجأة من تتابع الإنهاكات والضغوط.
* العلاج: يمكن علاج "إدمان الالتهاء" في أن يدرك المرء أنه من ضمن المصابين بهذا المرض، ويتعرف على المؤشرات التي تدل على ذلك، فالمعرفة هنا أول العلاج، ويحتاج المصاب به إلى تخطيط شخصي يومي وشهري وسنوي يتضمن أوقاتاً كافية لكل مجالات عجلة الحياة، وتشمل الجوانب (الروحية، والمهنية، والاجتماعية، والأسرية، والنفسية، والجسدية، والعقلية، والمالية).

كما يحتاج - لأجل التعافي - أن يصغي لصوته الداخلي، ويطرح على نفسه الأسئلة، وأن لا تكتفي بالتغذية الراجعة من الآخرين، فليس أصدق من تقييم الفرد لحياته دون محاباة أو مجاملة.

أخيراً أوجه رسالة لذلك المدمن الذي لم يفق بعد فأقول له: أيها المرهق نفسه بالأعمال، المملوء جدوله دوماً، المشغول ذهنه في كل حين، لابد أن تتوقف عن إدمان الالتهاء، وتأخذ قسطاً وافراً من الراحة، وتخصّص أوقاتاً للتأمل والمراجعة والمحاسبة، وتعطي كل ذي حقّ حقّه.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.