المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد النوبي  Headshot

حين يتمدّد ظِل الجنرال

تم النشر: تم التحديث:

جلس أمامي على الطرف الآخر من المائدة، لاح وجهه مرهقاً من رياضة المشي الصباحية.

أومأ للساقي بأنه يريد قهوته التي اعتاد على تناولها كلما التقينا في هذا المكان، اختلط بخار أنفاسه المتلاحقة في ذلك الصباح البارد بخبرة أربعة وتسعين ربيعاً، نظر إلى جريدة "غرب اليابان" التي رأسَ تحريرها يوماً ما حين كان العمر أكثر نداوة من هذا قائلاً بإنكليزية خالية من اللكنة اليابانية المعتادة: "الأحمق يريدنا أن نعود إلى عصر الجنرالات مرة أخرى".

أمسكت بالجريدة لأتبين الخبر الذي يتحدث عنه، كان الخبر يشير إلى احتجاجات ضد شينزو آبي، رئيس الوزراء الياباني، ورغبته في تعديل المادة التاسعة في الدستور الذي تمت صياغته عام ١٩٤٧ برعاية الأميركي ماك آرثر، كان التعديل يتيح لليابان أن ترفع القيود المفروضة على نشر القوات اليابانية في الخارج، وتراجع مفهوم تحديد الدفاع عن النفس ليشمل مساعدة الحلفاء، مما يعني عودة الجيش الياباني مرة أخرى للواجهة، التي قد يصاحبها احتمال الدخول في حروب لا يخشاها اليابانيون وحدهم، بل محيطهم الآسيوي الذي يختزن في ذاكرته تاريخاً دموياً للجيش الياباني.

تلوّن وجهه بعلامات التعجب ممتزجة بالامتعاض عقب سؤال أطلقته حول رسوخ الديمقراطية اليابانية وقدرتها على مجابهة أي محاولات للعسكرة، فأجاب قائلاً: يكفي فقط أن أخبرك أن اليابان لو تخلت عن حلمها الكولونيالي الآسيوي مع بدايات القرن العشرين وكفّت يد العسكريين عن إدارة شؤون الدولة وتوريطها في مغامرات حربية انتهت بالهزيمة في الحرب العالمية الثانية، لأصبحت الآن أغنى دول العالم قاطبة، ولكان الفارق بينها وبين من يليها عصياً على التقلص، وأردف مكملاً: ببساطة لأن اليابان كانت الدولة الصناعية الوحيدة في ذاك الوقت التي لا تنتمي لأميركا الشمالية أو أوروبا.

شهدت السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر مع نهايات ما سُمّي بعصر الميجي ارتفاع سقف آمال الإمبراطورية اليابانية في اقتناص أجزاء من آسيا، وخاصة عقب تحقيق نصر هام على روسيا في عام 1904، وهو النصر الذي أشاد به المصري مصطفى كامل في كتابه "الشمس المشرقة"، محتفياً كمستضعف شرقي بانتصار مستضعف شرقي آخر على الغرب، الذي لم يدركه مصطفى كامل أن هذا النصر كان إيذاناً بميلاد مستعمر جديد يلتحف ثوباً شرقياً وعقلاً إمبريالياً غربياً، وتبع هذا النصر انتصارات أخرى حتى صارت كوريا وتايوان ومنشوريا مجرد مستعمرات يابانية.

ورغم أن اليابان ظلت على السطح دولة ديمقراطية لها برلمان منتخب يشكل الحكومة غالباً فإن رئيس الوزراء كان يتم اختياره عادة من قِبَل مجموعة صغيرة من الرجال ذوي الحـقـوق الإمبراطورية وليس بالأغلبية البرلمانية فيما يشبه النظام الأوليغاركي.

وأدت هذه الانتصارات إلى ارتفاع أصوات الجنرالات بحيث أضحت الحكومات المتوالية مجرد هياكل صورية، وكانت ميزانية الجيش وقراراته لا تخضع للحكومة إلا في فترة قصيرة سُميت عصر التايشو (1912 - 1926) وهو الأمر الذي تداركه الجنرالات سريعاً بتدبير حادثة منشوريا عام 1931، مما أدى إلى اجتياح واحتلال أجزاء كبيرة من الصين، فضلاً عن محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة عام 1936، ورغم فشل الانقلاب الذي قام به مجموعة من العسكريين الصغار المتحمسين لسيادة الجنرالات الذين ساءهم تعيين رئيس وزراء مدني، فإنه ساعد على إحكام قبضة الجنرالات على البلاد وأمست الحكومات في خوف دائم من العسكريين المتطرفين، فتركت الأمر للعسكريين الأقل تطرفاً، ودفع العسكريون برجالهم ليشغلوا المـنـاصـب فـي الأجـهـزة المدنية التي أقيمت حديثاً، وأخذت سلطات البرلمان الـيـابـانـي فـي التقلص إلى أن تم استبعاد كل العناصر الحزبية من الحكومة اليابانية التي رأس مجلس وزرائها أحد جنرالات الجيش.

وصارت هذه الازدواجية في الحكم ملمحاً هاماً من ملامح السياسة اليابانية الحديثة، حيث هناك ديمقراطية شكلية تتمثل في انتخابات برلمانية وحكومة تبدو مختارة من الشعب، بينما الحاكم الحقيقي يقبع خلف الستار ولا تجري الأمور إلا بأمره، والحقيقة أن هذا الأمر كان موروثاً تقليدياً يابانياً، فاليابان تتباهى بأنها صاحبة أقدم عائلة إمبراطورية، ولكنها تغفل أن السلطة كانت دائماً في يد طرف آخر كحكام الولايات أو الإقطاعيين أو الجنرالات.

ومن دواعي السخرية أن يكون عام 1925 وهو العام الذي تحقق فيه حصول كل من بلغ سن الرشد على حق الاقتراع الـعـام، هو نـفـسـه العام الذي وافق فيه البرلمان الياباني على القانون "القمعي" الذي عرف باسم "قانون حماية السلام"، وهو القانون الذي يؤثم كل مَن يدعو إلى تغيير أساسي في النظام السياسي الياباني، أو بتصفية الملكية الخاصة.

فرغم انتصار الديمقراطية اليابانية ظاهرياً فإنها كانت ديمقراطية تفتقر إلى إطار مؤسساتي صارم، فـضـلاً عـن أنه كان نظاماً يفتقر إلى التأييد الشعبي الواسع عاطفياً وفكرياً؛ حيث سيطر العسكر على وسائل الإعلام.

وليس متاحاً لنا من الوثائق ما يفيد بأن كانت اليابان في ذاك الوقت قد امتلكت نموذجاً على غرار الإعلاميين المصريين وغيرهم من أصحاب الطبول ذات النغمة الموحدة، ولا إن كان هناك مَن يرقص أمام اللجان، أو يأمر الجيش أن يقتل مخالفيه ويمزق أجسادهم؛ لأن الجيش هو المؤسسة الوطنية التي يجب أن تعلو ما عداها.

ولكن المؤكد أنه على ضفاف النيل ستجد أيضاً أن قامة الجنرالات تعلو قامة أصحاب القبعات السوداء من الجامعيين والأكاديميين، وأن هناك رئيساً للوزراء لا يملك من قراره شيئاً، بل لا يستطيع أن يتقدم وزير الدفاع في أي احتفالات رسمية، ويأتيك صوت الجالس فوق منصة رئاسة البرلمان المفترض به التشريع والمراقبة مبرراً انتهاكات دستورهم وناهراً مَن تسوّل له نفسه ويتجرأ على السؤال عن ميزانية الجيش، وما أن يخلو أحد مناصب الدولة أو يتم إخلاؤه حتى يسارع الجنرال الذي يدعي إلماماً بعلوم الدنيا والدين ويتعلم منه الفلاسفة بتوسيم أحد أفراد قبيلته، والعطايا توزع بلا حدود على رفقة الجنرال من أصحاب البيادات.

أخطر هذه التشابهات بين التجربة اليابانية في مطلع القرن الماضي والتجربة المصرية المعاصرة هو ذلك الهوس القومي بالحرب وتمجيد آلته ممثلة في الجيش، فالعسكريون تتركز مهاراتهم الأساسية في الحرب وخوض الحروب المُحتملة والمختلفة تبرر وجودهم وتصدرهم للمشهد السياسي، بينما السلام يعيدهم إلى الصفوف الخلفية؛ لذا كان سعيهم الدائم للدخول في مواجهات ومغامرات عسكرية في حالة تخطيطهم الدور المرسوم لهم بحماية حدود الوطن واقتحامهم ملاعب السياسة.

ففي اليابان ترتب على الحرب الشاملة ضد الصين زيادة في الهوس الوطني، وتحول كثير من القوى السياسية اليابانية التي كانت تقف موقف المراقب منذ عام 1931 إلى قوى سياسية متشددة، وهنا يتكرر المشهد نفسه فلا صوت يعلو فوق صوت الحرب على الإرهاب المبرر الوحيد حالياً لبقاء الجنرال ورفقته في الصدارة.

الثابت أن تلك المغامرات العسكرية تنتهي دائماً بكارثة على المجتمع كله، فقد انتهت مغامرات العسكريين اليابانيين بهزيمة الحرب العالمية الثانية واحتلال اليابان، بل إن الأمر ليس بعيداً عنا فقد انتهت مغامرة يوليو/تموز العسكرية بهزيمة 1967.

طمأنت صديقي بأن اليابان تعلمت الدرس ولا ترغب في إعادة المشهد السابق أبداً، وما زالت تسبح مبتعدة عنه، حتى إن التغييرات التي أقدم عليها آبي كانت تحمل في طياتها نوايا اقتصادية، أهمها اقتحام سوق السلاح بقوة وليس على استحياء كما كان في السابق، فضلاً عن إلحاح الحليف الأميركي على طلب مزيد من الدعم الياباني في المناطق التي تخوض فيها جيوشهم حروباً مختلفة.

بينما نحن لم نتعلم الدرس أبداً، لا من تاريخنا ولا من تاريخ الآخرين، فالعالم يبدو كئيباً جداً حين يتمدد ظل الجنرال على الأرض، فتنحدر الأحلام؛ لتقطع طريقها نحو النهر بلا عودة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.