المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد بوحامدي Headshot

وجهة نظر

تم النشر: تم التحديث:

يحدث كثيراً في هذا الجزء من العالم ألا تحتكم للمنطق للعقل السليم، فتقوم في لحظة ما بتمجيد حالة اجتماعية ما لشخص ما بطريقة سطحية جداً، والأَمَرّ من ذلك أن تعتبر نفسك مصيباً محقاً في رأيك فقط؛ لأنك تحاول إثارة إعجاب الآخر وتملقه ورفع الدفع النفسي، أو ربما لأنك لم تعِش الظرف المناقض حتى تتوفر لك رؤية واضحة تمكنك بعدها من تَبَنّي موقف سليم من المسألة المعلومة.

أن تكون ابن أسرة متوسطة أو فقيرة كافحتَ بطريقة ما من أجل أن تصل إلى ما أنت عليه، وظيفة محترمة، واستقرار مادي، واستقرار معنوي، لا يعطيك الحق بتاتاً في أن تتعالى وتفتخر بأنك تعذبتَ كثيراً لهذا؛ لأنه في الأصل معطى سابق لوجودك، لم يكن لك اختيار في وضعك السابق كلما فعلته، أن تكيفت مع الحالة في محاولة انتحارية لتغيير الوضع إلى ما هو أحسن، أي أنك تحصيل واقع سابق لوجودك.

فاختيار الكفاح والنضال في الحياة لم يكن اختياراً عن اقتناع، وعن رغبة وعن إرادة وعن دراية، بل كان ضرورة لا مفر منها من أجل الاستمرار، كل هذا يؤدي إلى نفي صفة مكافح أو مناضل أو عصامي عنك في الحالة هذه.

لماذا؟ ببساطة لأن المنطق يقول لو توافرت للمرء ظروف أحسن كأسرة غنية وظروف مادية مريحة لما فكر بتاتاً بالطريقة الأولى، ربما التفكير حينها يكون قد تجاوز كل هذا إلى ما هو أعمق بكثير بطبيعة الحال، أتحدث عن فرد واعٍ ومثقف يحلم بأن يضع بصمته على هذا العالم، وليس مجرد المرور فقط.

بالتالي فأنت كفرد قادم من القاع من وسط اجتماعي فقير ومهمش لا يعطيك الشرعية بتاتاً بأن تُزايِد على نفسك أمام الآخرين بأنك مكافح مناضل؛ لأنه ليس اختياراً بقدر ما هو ضرورة فقط.

الاختيار -عزيزي الفقير الدرويش- ينبثق من امتلاك الشيء والقدرة على امتلاك نقيضه كأن تكون بورجوازياً نبيلاً ممتلكاً لجميع الوسائل التي تجعلك في غنى عن التفكير في الطبقات المسحوقة، لكن بفعل اختيار حر تختار أن تصطف بجانب المستضعفين لنصرتهم ونصرة قضاياهم، أو أن تكون رب أسرة صالحاً.. بيت.. أسرة.. أطفال.. وزوجة تحبك، لكن بإمكانك أن تخون الزوجة العهد والعِشرة، ومع ذلك تقف في ناصية الطريق وتقول لا لن أفعل.

أو أن تكون مسؤولاً في وظيفة معينة بإمكانك خيانة الأمانة.. السرقة.. الرشوة أو استغلال نفوذ، لكن تعود وتقول لا لن أفعل.

الفكرة واضحة فالاختيار ينبني أولاً على امتلاك الشيء ونقيضه، فتبرز حرية الفرد في فعل ما يريد، ما عدا ذلك فصفات غامضة لا أقل ولا أكثر.


ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.