المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد الأخرسي Headshot

مغتربون عن العيد

تم النشر: تم التحديث:

الغُربة كلمة طعمها أشد مرارة من العلقم، كلمة قاسية وتجربة مريرة يعيشها البعض مِنا ولكن بوجوه ولأسباب مختلفة.

فمِنا من وُلِدَ ووجد نفسه في بلدٍ قد هاجر إليه الأهل بحثاً عن فرصة عمل أفضل فنشأت بينه وبين تلك البلاد علاقة ليست بالانتماء، ولكن ربما نوع من التعود والامتنان.

ومِنّا من يجد نفسه مُجبراً على ترك البيت الدافئ الذي نشأ وترعرع فيه طلباً للعلم أو بحثاً عن لُقمة عيش عَزّت في بلده.

ومِنّا من يكون في بلده ومع أهله، ولكنّه يشعر بغُربة قاتلة تُحاصره، ومن هموم ومشاكل وأكل الحقوق وعدم منحه الفُرصة التي يستحق؛ لأنه لا يملك "واسطة" أو غير مدعوم من "فوق"، بل وأصعب أنواع الغربة من وجهة نظري هي غربة المبادئ والثوابت والأخلاق والقيم.

يأتي الغياب موجعاً حينما نعيش حالة الفقد المُرافقة لذلك الشعور، ويسلبنا كل الألوان في الوجود، ويأخذ مِنّا الفرح الحقيقي الذي نراه في عيون كل من حولنا، لكنه يختفي بداخل أعين من يعيش حالة الفقد، يتجرع الغياب وكأنه كأس تخلق بداخله سيول الحزن والبعد والحنين المطوق بفكرة الفراغ الذي يصحب حالة الغياب.. إن قلباً يعيش الشعور بالفقد؛ فإنه قلب يتجرع تلك الكأس، فمن الصعب جداً أن تفقد، والأصعب أن تختار أن تغيب.. فالخيار الوحيد الذي يمكن أن يختاره المتحسس لأوجاعه الدائمة أو الطامح لحياة مستقرة أكثر أن يغيب؛ إنه الخيار الموجع والمشتعل والمخيف الذي يقدم عليه البعض ليدخل الآخرين تجربة المعاناة منه وعدم استشعار الفرح بسببه.. فيجهل كل منهم من يتألم أكثر.

فراق أم لابنها وأخ يعمل بعيداً وقريب "قاطع" وصديق "ناكر المعروف" وحبيب ينتظر قلبه.

يمنحنا غياب مَن نحبهم في الحياة لحظة الفرح الطعم المُر لحالة الفرح.. فترى الفرح عجوزاً مسناً لا يستطيع الرقص بعكازه، والضحك بصوت عالٍ، وإطلاق ذراعيه في الفضاء في الوقت الذي ينتشي من برفقة أحبابه ليعيش معهم طفولة القلب وانطلاقة الروح ورغد الحياة المليئة بالمفاجآت الجميلة والمدهشة.. ما أصعب أن تتأنق لعيد يأتي بعد أن سُرقت منك الأيام وجه من تحب، وما أصعب خيار الغياب.. موجع ومحرق ينقض على قلبك لينهشه ويرميه وحيداً وبارداً عند سور الأحزان الذي يرقب الفرح "بتوق".. وما أصعب أحوال البشر التي تدفعك إلى خيار الغياب فتوصيك بالخيار الأصعب ثم تبكي عليه!

لماذا البعض غائبون عن الفرح؟ لماذا البعض يجهلون كيف هو الفرح؟ ولماذا يذهب من نحبهم في العيد فيأخذوننا معهم؟ لماذا الغياب والعيد هو الحضور؟ ولماذا اللون الرمادي والعيد هو البياض؟ ولماذا الحنين المُر والعيد هو الأشواق المتفجرة؟ لماذا الدموع والعيد هو الضحكات؟ لماذا تغيب والعيد هو أن تسجل موقف الحضور؟

يختار البعض أن يتغيب في مناسبة العيد بخياره أو بدون خياره؛ فهناك من الأمهات من تغيب عنها لابنها فتدمع عيناها شوقاً في العيد لغياب ابنها الذي تحبه، وهناك من غاب عنه صديقه في العيد؛ لأنه يسكن منطقة بعيدة عنه فيتحسس الفضاء الخالي بدونه، وهناك من تغيب عنه زوجته في العيد فتسرق فرحته ويعيش اليُتم بشكله المُر.. فلماذا البعض يختار في العيد أن يغيب والخيار الأجمل أن تحضر بمكالمة هاتفية أو برسالة أو بمفاجأة الحضور الجميل أو هدية أو باختراع مهم اسمه الكلمة.

أرفض أن يغيب عنك في العيد من تحبهم في الحياة؛ فالعيد مناسبة مهمة وفرصة ذهبية لأن يكون الخيار الوحيد للإنسان أن يحضر الجميع ولا يتغيب أحد، حتى من غضب ومن حزن ومن اتخذ المواقف ومن وعد بالقطيعة ومن شعر بالغربة، فالجميع لا بد أن يصرّ على الحضور في مناسبة العيد؛ لأن العيد هو التسامح والحب والتقارب بين الناس.

العيد مؤلم حينما يغيب عنك من يعينون لك في الحياة سواء لظروف دفعتهم لذلك الغياب رغماً عنهم، أو باختيارهم، فالفرح هو حالة كاملة تشعرك بأن كل شيء فيه لا بد أن يكون قطعة واحدة متكاملة من السعادة، ففي العيد ارفض أن يغيب عنك أحبابك، وارفض أن يحدث موقف يزعجك، وارفض أن يعكّر صفو الفرح طارئ، وليس هناك أقسى من الشعور بفقد الأناس الذين نحبهم في الوجود في لحظات العيد.

لا تسمحوا لأي سبب كان أن يقتحم فرحة قلوبكم، أن يفسد فرحتكم، أن يوقف حياتكم، أن يمحو بسمتكم، لا تسمحوا للغياب بهذا، لا تسمحوا للغربة بذلك، كونوا لأنفسكم عيداً.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.