المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد الشهاوي Headshot

عرافة وسط البلد وسر الرقم 9

تم النشر: تم التحديث:

2017-11-02-1509640023-5094547-.jpg

حكم وردة حمراء

تقول العرافات الكاذبات دائماً بعد أن يهمسن في "ودعهن" الذي ملّهن ويلعن همسهن في كل مرة يكذبن فيها، وبعد أن يمسكن بكفّ صاحبة الكف الحالمة: إن أمامها الفرح على بُعد 3 خطوات قد تكون بالشهور، أو سنوات ثم ما يتبقى من الكلام المحفوظ منذ ابتكاره في صحراء أرض العرب قديماً، والذي يقابله تنهيدة صاحبة الكف الحالمة.

ولكن بعض العرافات الكاذبات أحياناً يرغبن في إضافة المزيد من الإثارة ولتأكيد المصداقية يقمن بإرسال تحذيرات لصاحبة الكف بأن مَن يخطفها وتذوب عشقاً فيه سيتركها بعد أن (.. إلخ)، وعليها أن تواجه المصير بصلابة كما قال لها "ودعُها"، هذا الودَع الذي لو نطق للعنها على كذبها وللعنها الكذب نفسه!

هن كاذبات على كل الأحوال، ولكنّ ثمة شيئاً ما في هذه العرافة التي قابلتنا بأحد المقاهي الملحقة بالفندق الشهير بوسط البلد أثناء احتفالنا بعيد ميلاد أحد الأصدقاء، لم تكن هذه العرافة من المدعوين، ولم تكن قريبة من تجمّعنا، كانت بعيدة نسبياً، وكذلك لم تكن كباقي العرافات في الشكل والهيئة، على النقيض كانت فتاة جميلة ملابسها توحي بأنها ابنة لأحد الأثرياء!

هل تريدون أن أريكم طالعكم؟ بهذا السؤال سرقت انتباهنا جميعاً! كانت ترمق تجمّعنا بنظرات مريبة لاحظتها بالفطرة إحدى الصديقات وفضحت أمرها بيننا، لكنها فاجأتنا بوجودها بيننا وهي تقول إنني أرى بينكم من هو غريب الطالع.

هذا الهراء لم يعجبني وابتعدت ورفضت المشاركة في هذه الخرافات، وتركنا الفتيات معها يتهامسن ويلهون في فضول قد يعكر صفوهن في النهاية، عادت الفتيات جميعهن سريعاً إلا فتاتي ولأول مرة أتوجس من مثل هذه الأمور، ذهبت إليها فوجدتها تخبرها بتفاصيل لا يعرفها غيرنا "أنا وهي فقط"، من أين لها أن تعلم هذا؟!

تذكرت أن "كذب المنجّمون ولو صدقوا"، فطلبت منها أن تكفّ وتبتعد، لكن العرافة الجميلة غريبة التفاصيل قالت وأنا أسحب حبيبتي من بين يدها، زواجكما يتم بثلاث تسعات، وعلاقتكما تحكمها وردة حمراء، تنهيها إن سقطت من بين السطور، نهرتها وابتعدت بفتاتي رعباً!

لا أعرف لماذا ارتعبت بشدة من فتاة تافهة تثرثر؛ لدرجة أنني اعتذرت عن استكمال السهرة، لا أؤمن بالأعمال وقراءة الفناجين والكفوف لكن لاحقتني الأسئلة ماذا حدث؟ كيف عرفت تلك التفاصيل؟ ما الذي أرادت أن تخبرنا به بتحكّم وردة حمراء في حياتنا ومستقبلنا وما هي الثلاث تسعات؟!

لم أجد إجابات، ولكن الشكوك سكنت في قلبي وعقلي لم تغِب للحظة، تزوجنا تتويجاً لقصة حبّنا، هذا منطقي على الأغلب، لكن هل تزوجنا كما قالت لها بعد ثلاث تسعات؟

الحقيقة أنني لم ألتفت لهذا إلا ونحن نحتفل بمرور 10 سنوات على لقائنا الأول، والذي أيضاً صادف عيد زواجنا الأول، نعم لقد تزوجنا بالفعل كما قالت بعد ثلاث ساعات، 9 سنوات نعرف بعضنا، 9 أشهر عمر علاقة الارتباط قبل الخطبة، ثم 9 أشهر من الخطبة حتى الزواج!

بدأت أتوجس وأحمل هموم ثرثرة هذه الفتاة التافهة التي تدّعي علم الغيب، وأتحدث عنها كعرافة وأُقسم الأيام والسنين وأُفصلها كي أستخرج نتيجة بعينها تؤكد صحة ما قالته رغم يقيني العقيدي والعقلي بهراء هذا، ولكن كان قلبي غير مطمئن ويزعزع استقرار اليقين في عقلي وقد تمكن ذلك منّي، فأصبحت أرفض تماماً شراء الورود الحمراء رغم رغبتها وحقّها في فرحة "الورد الأحمر".

لم تطُل هذه السخافات والمشاجرات التافهة، وحبّنا الذي يبقى لا يعكره مثل هذه الأمور، تناسينا مع الوقت وبدأت هي همومها، عانت هي بدنياً ونفسياً وشعرت مع الوقت بأن الله لم يكتب لها الأمومة على الأقل من هذا الشخص الذي هو حب عمرها، كذلك أنا بدأ يتسرب إليَّ الملل من روتين حياتنا، خاصة مع عدم وجود جديد في أمر الإنجاب، الذي أصبح شغلنا الشاغل.

جاءتني في أحد الأيام بائسة تقول لي/ هل تعرف أن موت طفلنا كان في الشهر التاسع في كل مرة؟!
مباشرة هي تتحدث عن (ثلاث تسعات) أخرى، كيف ربطت هذا بهذه الفتاة المشؤومة، نعم في 3 سنوات متتالية يموت الطفل في الشهر التاسع!

لم أعد أرى هذا من العقل ولم يعد لي صبر لمزيد من الأوهام التي نبنيها على حديث تافه من شخصية مشؤومة، ولكي أقطع الطريق على تفكيرها في هذا الأمر وأهوّن عليها آلامها.

أعددت لها سهرة في أجواء رومانسية على أضواء الشموع الخافتة مصحوبة بنغمات موسيقية راقية بأحد الأماكن المطلة على النهر مباشرة، وكانت هديتي الأكبر لها سلة ورود كلها حمراء يتوسطها قلبها الأبيض (هكذا قلت لها وهكذا عبّرت عما بداخلي).

كنت خائفاً من ربطها الأمر بهذه النبوءة المشؤومة، لكنها ذرفت دموعاً مصحوبة بابتسامات متلألئة وتلعثم الكلام من فرحتها، كانت جميلة كأول مرة قالت لي (وأنا أيضاً أحبك)، بعد فترة انتظار لفك حصار خجلها، دموع فرحتها استمرت طوال السهرة وحتى عودتنا لبيتنا مع أمنيات وآمال لا تنتهي.

كانت سعيدة بالوردات فهي أول ورود حمراء أهاديها بها بعد 4 سنوات من الزواج والتوسلات بوردة واحدة، ومن تعلقها بها تمنت أن تعيش بعمرنا، ولكنها مهما عاشت ستذبل وتذهب إلى صندوق المهملات.

طلبت منّي أن أختار وردة واحدة حمراء وأخرى بيضاء كي تحتفظ بهما بين صفحات أول رواية أهديتها لها، لتخلد ذكرى هذا اليوم وتزورها كل فترة لتسترجع ذكرى أول وردة حمراء بعد الزواج، بسعادة نفذت طلبها وأنا أرى وجهها يصغر بالشهور كل ساعة في هذا اليوم.

لم تدُم فرحتنا طويلاً فحزنها عاد وبدأت تجاعيد العمر تشق في وجهها الطريق خلف الآخر، وأنا أراها وعجزي عن مساعدتها يقتلني، وفي يوم من الأيام أظنه الثالث من الشهر التاسع جاءت لتخبرني أن هناك أموراً يجب أن تتغير في حياتنا ولن نستطيع أن نغيرها، وعلينا أن ننفصل؛ لأننا أفسدنا حياة بعضنا بحبنا الذي كُتب له الفشل بعدم وجود أطفال بعد 6 سنوات.

حاولت في اليوم التالي أن أدخل فرحة مؤقتة على قلبها الحزين، لكني لم أجدها بالمنزل، تركت ورقة كتبت فيها أنها تطلب الانفصال عني؛ لكي تعطي لي ونفسها فرصة للحصول على طفل.

باءت محاولاتي بالفشل في الإقناع خاصة مع انتهاز الأهل هنا وهناك الفرصة لتحقيق أمنيتهم في رؤية أولادنا، وافقت نزولاً على رغبتها المؤلمة لها وهي تنظر في عيني وتلمع الدموع في عينيها حباً ليس إلا، وكان طلبي الوحيد هو أن نكمل الشهر الأخير سوياً كعروسين في شهر العسل قبل الانفصال الاضطراري.

كانت رغبتي هذه مزدوجة، فجانب منها تجربة أخيرة للإنجاب، وجانب آخر هو أن نعيش معاً آخر ليالي العمر، نقضيها كأجمل النهايات، اتفقنا وعادت إلى البيت فرحة متألمة ومثلها أنا وبدأ العد التنازلي للنهاية وكل يوم كنا نعيش السعادة والتعاسة في آن واحد، كيف نفرح ونحن سنفترق ونحن نعلم ذلك، وكيف نحزن ونحن لم يتبقّ في عمرنا معاً سوى أيام معدودات!

انتهت أيامنا ولم يشأ القدر لنا بغير قُبلة وعناق وداع، ودموع وذكريات سحقتها الأيام، واستطاعت السنون وتلك الحياة القضاء عليها.

حاولت أن أنشغل في الحياة، انعزلت عن العالم بدخولي في أكثر من عمل؛ كي لا أترك مساحة للتفكير فيما مضى، لكن القدر يريد دائماً أن يذكرنا، لقاء في آخر مكان من الممكن أن أقابلها فيه، مجموعة صخور بحرية كنت أحب أن أجلس بينها وسط الأمواج لأكتب أو أقرأ.

كانت دائماً ترفض هذا المكان وبينها وبينه كراهية شديدة، حينما تأتي معي كانت تجلس وحدها بعيداً، وبالتالي أصبحت لا تأتي معي إليه، يربطها به فقط أول رواية أهديتها لها، كانت فوق تلك الصخور وسط رعبها الشديد من الظلام وصوت الموج وشكل الصخور في ظلام الليل.

رأيتها ولم تصدق عيني أنها تجلس مكان جلوسي وتنظر نفس نظرتي للأمواج الغاضبة التي تهاجم الصخور، ما الذي جاء بها إلى هنا؟!

لم أحدث أمراً يلفت انتباهاً، لكنها قالت وأنا أقف في ظهرها: أشم رائحتك، ما زلت أحبها وما زلت أتذكرها بعد سنوات مضت، أيامنا والعمر الذي مر سريعاً لم ينسِني لحظة كل التفاصيل.

ماذا جاء بكِ إلى هنا؟! هذا آخر مكان من الممكن أن تدخليه، فكيف تدخلينه ليلاً وحدك؟!

قالت: جئت أبحث عن روايتي التي بدأت من هنا، فصلها الأول، هل تذكرها؟ لقد تركتها في منزلنا حتى تحافظ عليها بدلاً من أن آخذها معي فيمزقها من يتزوجني بعدك، تركتها في أمان تحتضن أجمل وردتين في عمري، تركتهما بكل أشواقي وآلامي وماضيّ الذي عشقته وبكيته وأبكيه كل يوم، لا تظن أنني كرهتك أو كرهت أيامي معك، كنت عمري وقد انتهى عمري بفراق لم أفهمه لحبيبي الوحيد!

أنا هنا كلما سنحت لي فرصتي، ولو سنحت لي لكنت هنا كل يوم، أخبرني عن روايتي هل تقرأها، أخبرني عن وردتَي هل تراهما، هل أصابهما ما أصابنا وافترقا؟ يحزنني أنني لم أودعها والرواية منذ آخر مرة لمستها فيها قبل انفصالنا بثلاثة أشهر حين كنت أرتب المكتبة مع الخادمة، حتى ذلك اليوم لم ألمسها ووضعتها الخادمة بيدها بعد أن وقعت مع بعض الكتب الأخرى، كم كان الجفاء وقتها يعميني، وها أنا اليوم أتحسر على يوم كهذا، على كل الأحوال هم في أمان في أحضان بيتنا الذي بنيناه معاً.

لم أردّ كنت أسمعها وأنظر إليها فقط، كانت جميلة لمرة أخرى كيوم الاعتراف الأول في أيام حبّنا الأولى، صمتي انتصر على فضولي ودهشتي وطاحون الذكريات والأشواق والأسئلة التي دارت بداخلي، فقط كي أستمع لصوتها وأنظر إليها لجمالها "كيوم الاعتراف الأول" الذي أعشقه، نظرت إليها أستمع!

هل تعرف أنني آتي إلى هنا لأقرأ الفصل الأول فقط من الرواية، وأشم رائحتك من بين اصطدامات الأمواج بالصخور، أنا هنا لأستعيد ذكرياتي، لأستعيد حياتي، لأبكيك وأندم، لأتمنى أن أفيق من كابوس هذا الواقع لأجدني في مكان أعرفه بتفاصيله.

دموعها كنت تجري على وجهها تمتزج بفرحة اللقاء وحزن الفراق المحتوم مهما طال لقاؤنا، ولكن فرحتها كانت أقوى من أي أحزان أخرى، قالت هذا بصوتها المرتعش.

سألتها في فضول شديد داخلي لم أظهره لها: هل لي أن أعرف أكثر عن أحوالك؟

ردت على سؤالي باستنكار وقالت: تعرف!

اعتذرت سريعاً، آسف لم أقصد التطفل والتدخل في حياتك الشخصية، كان سؤالي في سياق الحوار والاطمئنان عليكِ وجذب أطراف الحديث، أعتذر مرة أخرى.

لم أكمل جملتي حتى خرجت من خلف ضلوعها تأوهة مصحوبة بشلال دموع؛ قالت: من فضلك لا تكرر الاعتذار والسؤال، لا تشعرني بأنني غريبة عنك أكثر من هذا، أنا لم أطلب منك أن تعتذر، أنا أبكي لاستئذانك في السؤال، أبكي لأننا لم يكن بيننا هذا الحاجز، لم يعد لي في حياتي ما أتعلق به، ضيعتك منّي وضعت من بعدك، اخترت الطريق الذي كنت لا تتمناه لي، تمسكت بي لآخر لحظاتك معي وأنا كنت أسعى نحو هلاكي بغباء!

وعلى ناصية الشارع المؤدي لتلك الصخور وقفت أودعها في نفس المكان الذي كانت منه بداية حلمي معها في سنوات الحب الأولى، وفي نفس المكان ها نحن الآن نفترق مرة أخرى، قالت بنظرات عينيها إنها ترغب في الاستمرار معي لمدة أطول، أو أقوم بتوصيلها إلى منزلها كما كنت أفعل فيما مضى.

لكنني ودعتها فودعتني وهي تحبس آلاف الدمعات في عينيها، ثم نادت عليّ وقالت: هل لي أن أطمئن على روايتي ووردتي، لا تحرمني من هذا من فضلك، هذا آخر طلباتي منك!

وعدتها أن أزور منزلنا القديم واطمئنها ونفسي على ذكرى جميلة جمعتنا، سألتها عن رقم هاتفها فقالت لي هو رقمي الذي أهديتني إياه لم أغيّره، أنت في قلبي منذ فراقنا بتفاصيلك لم تغِب إلا بجسدك!

تركتها ومباشرة ذهبت إلى منزلنا القديم، دخلت المكان الذي تتعلق به روحي، وبه كل ما كان لي في هذه الحياة، هنا الراحة من "آلام كل أفراح الخارج المزيفة"، هنا الوردات، هنا الرواية، هنا كتبت أجمل ما سطرت يداي، هنا كانت حبيبتي، هنا الحنين بقي مع بقايا أمنياتها وأمنياتي، وهذه هي المكتبة التي ترقد فيها الرواية الحبيبة وفي حضنها الورود.

مددت يدي لأفتح الفصل الأول من الرواية، وقرأت كل سطورها بعشق كأنني أقبّل حبيبتي في جبينها قبلة رقيقة، وانتهيت، ثم ذهب لأبحث بين السطور على الوردات، ولكنها غير موجودة، تحديداً الوردة الحمراء هي التي اختفت!

الآن أتذكر "وعلاقتكما تحكمها وردة حمراء، تنهيها إن سقطت من بين السطور"، لقد سقطت الوردة الحمراء وصدقت العرافة وهي كاذبة!

(تمّت)

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.