المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد السيد الصياد Headshot

حوار مع البروفيسور رضوان السيد حول أطروحة وائل حلاق

تم النشر: تم التحديث:

في هذه الحلقة نستعرض إجابات أستاذنا الدكتور رضوان السيد، حول أطروحة كتاب الدولة المستحيلة لوائل حلاق، التي تدعو لعلمنة الإسلام وإخراجه من ديناميكيته وحيويته التاريخية، وميراثه الفقهي والحركي، لصالح مزاعم استحالة تأسيس الدولة الإسلامية في ظلّ الدولة الوطنية الحديثة، وتعقيداتها الفلسفية والأخلاقية.

وقد سألته عن رأيه في كتاب الحلاق، بعدما وجدتُ بعض الباحثين يزعمون أن رضوان السيد مؤيد لطرح الحلاق، ويستشهدون به في مقالاتهم وصفحاتهم بالطريقة البدهية التي لا تحتمل الشك والتأويل.

وإذا كان هؤلاء لم يفهموا المراد العلمي والمنهجي لرضوان السيد ولم يُحسنوا قراءته قراءة دقيقة، فأنّى لهم أن يفهموا الحلاق وأطروحته.

كلّ ما في الأمر أنّ هؤلاء وجدوا عند الحلاق ما يؤيد رأيهم وموقفهم الذي يكتبون فيه ويصرون عليه منذ سنين.

فالموقف أقرب للشخصانية ونصرة المشروع الشخصي، ومن ثم وجدنا الارتباك والاضطراب والقفز على الحقائق التاريخية، وتجاهل أدلة الخصوم، ووصم كل المخالفين بالجهل وعدم المعرفة، ثم استعمال اللغة القطعية اليقينية التي لا تحتمل الظن أو حتى المناقشة والأخذ والرد، وهو ما لم يوجد حتى عند الأقدمين لا في كتبهم ولا في مناقشاتهم وردوهم، وهو انتباذ عن فقه الخلاف الفقهي والعلمي الموروث، وانتباذ حتى عن عناصر العلم وفلسفته الحديثة التي تقوم على الظن لا القطع، وغلق الباب أمام أي محاولة للإضافة أو التفنيد والمناقشة، أو الاحتمالات العقلانية في حيز العلم.

مع أن هؤلاء عندما ترصد تاريخهم العلمي تجده مليئاً بانتقاد الآخرين حتى مشايخهم ممن لهم فضل عليهم، وأحياناً الانتقاد بلغة لاذعة، كما سنرى في مقالات لاحقة.

أعود فأقول: إنّ رضوان السيد رجل مؤدب ودمث الأخلاق، وأبيض القلب، يُقبل عليك بكليته أثناء المناقشة والحوار، وتخالفه فيقبل خلافك معه بكلّ كياسة وذوق، ويناقشك الحجة بالحجة، ولا يغضب إن لم تقتنع بقوله، وهو نموذج فريد للعالم الفقيه المفكر، الذي كانت تُنتجه المدرسة الأزهرية العريقة، فتتلمذ الرجل على نحارير الأزهر ومصر من أمثال عبد الحليم محمود وحسن الشافعي، والفيلسوف مدكور، ومحمد الغزالي، كما أخبرني هو.

وقد شاركتُ في ورشة عمل منذ شهر تقريباً وكان الرجل مشاركاً فيها، فاستغللت الموقف، ودار حوار بيني وبينه وسألته عن أطروحة الحلاق، وأجريت معه حواراً قصيراً وأذن بتسجيله ونشره حتى يكون حجةً على أولئك الذين يتجاذبونه ويدعون أنه مؤيد لطرح الحلاق، والذين وصفهم بـ "الكذابين"، وصدق الرجل إذ إن أكثر شيء يجرح العالم والفقيه ويؤلمه هو فهم كلامه على غير وجهه فضلاً عن تحويره وتحريفه حتى يؤدلجه كل مؤدلج كي يتوافق مع خلفياته المسبقة.

وهنا ننشر جزءاً من الحوار الذي يدخل في صميم كلامه عن الحلاق، أمّا ما هو بعيد عن طرح الحلاق فليس محله هذا المقام.

وهذا نصّ الحوار:

* ما رأيك سيدي في طرح وائل الحلاق، حيث يزعم البعض أنك من مناصري الدولة المستحيلة؟
- سجّلْ كل هذا الكلام، أنا أحترم وائل الحلاق جداً، هو وموتسكي أعلم اثنين في العالم المعاصر بين الأحياء بالفقه الإسلامي الكلاسيكي. وآخر كتبه معجز، الشريعة اسمه، ونحن نترجمه الآن، وسيصدر قريباً.

* عن المركز العربي؟

- لا، عن هذا الليبي، الذي عنده دار المدار الإسلامي ودار الكتاب الجديد المتحدة. سيصدر الكتاب عنده، وأنا ووائل سنكتب له مقدمة. ترجموه هم وأنا أراجع الترجمة الآن. فهو رجل لا شائبة في علمه ولا في خلقه العلمي؛ لذلك أنا جُننت بكتابه، ما كنت أعرف أن حضرته يَسَاري وأنه يريد أن يكون أيدلوب مثل إدوارد سعيد، هو باحث ميداني ومؤرخ جيد، ذبح شاخت وخلصنا من شاخت وأوهامه حول أصول الفقه الإسلامي، هو وموتسكي. جاءت 2013م وتحت وطأة التغيير العربي سنة 2011م، وما قيل عن العرب وكذا، وهو عربي ومتحمس لعروبته، فكتب هذا الكتاب. ماذا يقول الكتاب؟ يقول العرب والإسلام شيء عظيم جداً جداً جداً، أكبر مذهب أخلاقي في التاريخ. والدولة الحديثة دولة ذات سطوة مطلقة ودولة غير أخلاقية، والمسلمون حاولوا التلاؤم معها، ولكنهم لم يستطيعوا؛ لأنهم لا يستطيعون التلاؤم إلا إذا خرجوا من دينهم،

باعتبار أنها هي ضد الدين وضد الأخلاق، فإذا تلاءموا معها معنى ذلك أنهم أصبحوا غير مسلمين، وهذا مستحيل، كما أن ما هم عليه من أخلاق ودين، لا يمكن أن يستمروا عليه؛ لأنه قرار وسطي، فلا يمكن أن يتلاءموا مع الحداثة ولا يمكن أن يبقوا على ما هم عليه، إذن عليهم أن ينتحروا، طبعاً هو لا يقول ذلك، ثم أدرك ما هو المأزق الذي وقع فيه، فقال الحل هو ما يرتئيه طه عبد الرحمن، يعني التفسير الأخلاقي للإسلام، فهذا كلام تهريج، لماذا لا نستطيع أن نتلاءم مع الحداثة، إذا أخرجنا الدين من بطن الدولة، المشكلة أننا دمجنا الدين بالدولة، وفرضناه على الدولة، والدولة وظيفتها إدارة الشأن العام وليس إدارة الدين، وليس تطبيق الدين، وإلا ما قيمة النبي عليه الصلاة والسلام، وما قيمة القرآن الذي قال لنا: "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا". وعهد بالدين إلى جماعة المسلمين، فديننا ركنان: الشريعة، والجماعة، بعكس الشيعة عندهم الشريعة والإمامة، نحن عندنا الشريعة والجماعة.

الجماعة تحتضن الدين والدنيا، تخصص أناساً للعناية بالشأن الديني، وتخصص أناساً آخرين لإدارة الشأن العام؛ لأن السلطة سلطتها، أما تقول: الدولة وظيفتها تطبيق الدين فهذا تهريج، وعمله الإخوان والسلفيون الجدد، تابعوا هذا الوهم. ولذلك وائل الحلاق ينظر بهذه الذهنية، صار الإسلام عنده مشروعاً سياسياً، والمشروع السياسي مشروع أخلاقي، هو معجب بأفكار الإخوان، مشروع أخلاقي ولكن لا يمكن تطبيقه. طيب: ما هو أنت يا ابن الحلال أنت أول مَن ينبغي أن يعرف أن هذا مشروع الإخوان في عقدنة الشريعة وتحويلها إلى عقيدة سياسية أو إلى نظام سياسي، هذا غلط، ولا يتوافق مع طبيعة الفقه الإسلامي الذي درسته طوال ثلاثين أو أربعين سنة. فليس مستحيلاً أن نصبح ونقيم دولة حديثة بجيوش عظيمة وبأدوات ذات كفاءة، وبالمؤسسات والتمثيل، وكل شيء، مثلما تفعل الدول الدستورية الديمقراطية.

* وتُسمى دولة إسلامية؟

- طبعاً؛ لأننا مسلمون، كل ما نقيمه لا يكون إلا إسلامياً، لماذا سننحرف عن الدين؟ لماذا نتعامل ضد ديننا وأخلاقنا في إدارة الشأن العام؟ ثم إن إدارة الشأن العام.. حتى ابن تيمية.. ابحث عن مقالتي "يقصد التفكير بالدولة" ستجدها، وفيه توضيح لكل ذلك.

مهام أي سلطة هي مهام الإمامة، لا يهمني لقب الإمامة، هذا كان الخلافة العباسية سقطت وكل الناس يريدون أن يجددوها، قالوا لا نريد تجديدها، أنا أريد أمرين يذكرهما الله في كتابه أنهما مهام السلطة السياسية، قال الله تعالى: "إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل".

الأمانات التي هي الولايات يعني إدارة الشأن العام، وقسمة الفائدة هذه هي الأمانات، وبيكتب ثلثي الرسالة عن الأمانات، كيف تقيم إدارة ذات كفاية، والثلث عن إقامة العدل السياسي والعدل القضائي والشورى وهكذا، هذان هما ركنا إدارة الشأن العام، العدل السياسي والقضائي، والإدارة الحسنة عن طريق الكفاية، وعن طريق العدالة في توزيع الموارد. هذه مهمة السلطة السياسية، وهذا أمر الله تعالى، وأمرنا، منين جبنا هذا المفهوم؟ من ابن عقيل في كتابه "الفنون"، هذا كله مكتوب في مقالتي التي كتبتها هذا العام "التفكير بالدولة السياسية والسياسة الشرعية في المجال الإسلامي"، طلعوها من موقعي.

* هل لك رد على الجابري؟

- لأ، حرام لم أكتب ضده، الله يرحمه، فقط كتبت رداً على جورج. الجابري أنا لا أؤيد منهجه، لكنه كان رجلاً عاقلاً، كلنا تعلمنا منه، لا أؤيد منهجه في تقسيم الفكر الإسلامي إلى البيان والعرفان والبرهان، وأن البيان يعني أهل السنة، والبرهان يعني الفلاسفة والمغاربة، مع أن المغاربة أهل سنة، وأما العرفان فالشيعة والباطنية؛ لأنه انتقد الشيعة طوال حياته، فأنا سُررت به ولم أرد عليه، ولكن أفكاره غلط طبعاً..

شوف لي مقالة التفكير بالدولة، فمقالة التفكير بالدولة بالإضافة إلى كتابي "أزمنة التغيير" فيهما ردّ وتفنيد لطرح الحلاق في الدولة المستحيلة..

كتابي أزمنة التغيير طُبع عندكم في مصر في الهيئة العامة، ومشى بكثرة، طبعوا خمسة آلاف فنفدت ثم طبعوا خمسة أخرى؛ لأنه ضد الإخوان، ومع الأزهر، ويدافع عن التقليد الديني والمؤسسة الدينية.

* يعني أنتم تتبنون موقفاً وسطاً بين الفكر الإحيائي والتقليدي؟

- لا.. أنا ضد الفكر الإحيائي كله، أنا مع تجديد التقليد ومع الاجتهاد المطلق وكل حاجة، لكن أن نستوعب التقليد ونتجاوزه، لا أن نهدمه، أن تكون علاقتنا بماضينا الديني سلسة، مش تكفير وقتل وضرب مثل داعش وغيره. أنا قلت في قاعة الملك فيصل في مناقشة بصراحة: أنتم حسن نصر الله وأبو بكر البغدادي يريدون أن يقتلوكم، حسن نصر الله يريد قتلكم لأنكم وهابية، وأما البغدادي فيريد قتلكم لأنكم ارتددتم عن الإسلام، فعلينا مواجهتهم جميعاً؛ لأنهم يريدون قتلنا.

* ما موقفكم من إصلاحية الشيخ القرضاوي؟

- الشيخ القرضاوي ليس فقيهاً، فهو خريج الفلسفة الإسلامية من جامعة الأزهر [1]، ومارس الفقه، لكنه قديماً كان أفضل من اليوم، فكان هادئاً وعاقلاً في الفتوى، أما اليوم فهو في قطر ويدور في فلكها وسياستها.

* إذن أنتم ضد كل الإصلاحيين والإحيائيين حتى محمد عبده؟

- نعم، محمد عبده حارب التراث الفقهي للأمة، وخرج عن التقليد الفقهي، والمذاهب المعتبرة، أنا أدعو للاجتهاد لكن انطلاقاً من تراث الأمة، وميراثها الفقهي، ومذاهبها وليس عن طريق الهدم والتشكيك والحرب والتكفير [2].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش لا بد منها:

[1] - الشيخ القرضاوي لم يتخرج في قسم الفلسفة بكلية أصول الدين، بل تخرج في قسم "علوم القرآن والسنة"، عندما كان القسمان قسماً واحداً. وشهد له الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية السابق بأنه فقيه ومجتهد مطلق. وقد انضمّ لعضوية هيئة كبار العلماء بالأزهر حتى استقال منها على أثر الخلافات السياسية في الحياة المصرية، وهذه الخلافات السياسية كانت محلّ التجاذب والخلاف والانقسام بين العلماء، ومن ثمّ تأثرت فتاواهم بهذا الظرف السياسي، ورأيهم بعضهم في بعض، بل كتب د. رضوان السيد نفسه مقالاً بعنوان "يوسف القرضاوي فقيهاً ومفتياً وشيخاً للإسلام المعاصر"، بتاريخ 2/ 1/ 2010م، الحياة، العدد 17074، الصفحة 15 تراث. وينطبق عليهم جميعاً ما قرره علماء الحديث في عدم الاعتداد بكلام الأقران بعضهم في بعض؛ نظراً للخلاف المذهبي أو العقدي أو السياسي.

[2] - قلتُ: لا يمكن أن ننتزع محمد عبده من سياقه التاريخي، ونستنطقه لسياقنا نحن. فالظرف الاجتماعي والسياسي والديني والفقهي للدولة المصرية والأمة الإسلامية في عهد محمد عبده جعلته يبلور مشروعه على هذا الأساس. وقد أثنى على محمد عبده كثير من الفقهاء التقليديين بل حتى من المحدثين أمثال الشيخ أبو غدة، وأبو زهرة، وغيرهم، ثم إن وضع الإحيائيين جميعاً في كفة واحدة لا يستقيم منهجياً، علاوة على أن ربط الإحياء الديني الذي رسمه الأفغاني ومحمد عبده بالإرهاب والفكر الداعشي لا يصحّ تاريخياً ولا منهجياً. راجع الحلقة: رضوان السيد، الحلقة الأولى، موقع يوتيوب. بتاريخ: 14/ 7/ 2017م.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.