المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد عيسى Headshot

عن الظواهر المتفشية "الدوغماتية - الدعشنة"

تم النشر: تم التحديث:

تتفاوت الآراء ما بين الخطأ والصواب بين جميع طوائف المجتمعات الديمقراطية، التي شُيدت بناء على ثقافة احترام الرأي الآخر، سواء كان مؤيداً أو معارضاً، وإذا لم تكن تتسم بهذه الثقافة البناءة، لكانت تتأرجح على حافة مستنقعات الغوغائية والمكارثية، والحروب الأهلية، واستبداد الأغلبية الحاكمة على الأقلية، والانقلابات العسكرية، أي أن النتيجة الحتمية لمحاولة قمع الرأي الآخر هي الزج بالدولة في المعتركات السياسية الدموية.

عادةً ما يتم تهديد الحياة الديمقراطية بالكثير من السُبل، ولكني سوف أكتفي بتفنيد ثلاثة سُبل رئيسية في هدم الحياة الديمقراطية:

أولاً السلطة الديكتاتورية "الديماجوجية" التي تستغل مخاوف الشعب في فرض العضلات الأمنية، وتزعم دائماً أنها على صواب، وتلقي بجميع معارضيها في دياجير السجون، وتختلق معارضه مزيفة حفاظاً على الديكور الديمقراطي على المستوى الإقليمي والعالمي.

ثانياً المعارضة التي تدعو إلى الحرية والديمقراطية جحوداً وبهتاناً؛ لأنها تخون كل من يختلف معها في الرأي، وتتخلى عن التفنيد العقلاني في تأييد أفكارها أو آرائها، وتستبدلها بالسبل الحنجورية، وتتعنت في التراجع عن أفكارها وآرائها استكباراً على الاعتذار، إذا ثبت خطأ آرائها أو أفكارها، وتعصف بجميع مبادئ الديمقراطية.

ثالثاً السلوك القطيعي القائم على انجرف فريق من الشعب وراء تأييد فكرة ما أو معارضتها، على أسس سيكولوجية أو أيديولوجية، دون النظر إلى الحقيقة.

الدوغماتية هي البداية لهدم المجتمعات الديمقراطية، والتخلص منها هو استهلال توطيد الأسس اللازمة لبناء دولة ديمقراطية.

دراسة القانون حرام!
قيلت لي هذه الجملة في كلية الحقوق بجامعة الإسكندرية من طالب بها كان يجري إجراءات تحويل لكلية الآداب لنفس الجامعة؛ لاقتناعه بأن دراسة القانون حرام شرعاً، ورغم اجتيازه العام الأول بتقدير جيد وانتقاله للعام الثاني، فإنه لا يريد استكمال دراسته بها حتى لا يغضب الله، على حد وصفه!

لا أستطيع أن ألقي اتهاماً على هذا الطالب من خلال هذه الجملة أنه يسير على خطى الدواعش؛ لأن من الممكن أن تكون هذه قناعاته الشخصية ويجب أن تحترم، حتى ولو اختلفت معه، ولا أريد أن أنجر وراء هذا الهُراء، ولكن ما أريد أن أوضحه أن هناك الكثير من ذوي الفكر الداعشي "الدراكولي" في الجامعات المصرية.

تتفاوت أسباب اتباعهم المذهب الداعشي فكرياً من شخص لآخر، فالبعض يعتقد أنهم تعرضوا لصدمة قوية في الحياة هي التي أودت بهم إلى ذلك، والبعض الأخر يرى أنهم تعرضوا لتزييف الوعي وغسل الأدمغة.

أصطف بقوة مع هذه الآراء، ولكني أرى في مُخيلتي أيضاً أن هناك نقطتين موضوعتين تأتيان من ضمن الأسباب المؤدية لهذه المُعضلة:

أولاً الاستبداد: تقييد الحريات والتنكيل بالتيار الديني والاعتقال التعسفي وحالات التعذيب التي يتعرض لها أقراننا من طلاب الجامعات في السجون، من المؤكد أنها من ضمن الأسباب التي أدت إلى تفشي هذه الظاهرة.

ثانياً النعرة الدينية: هي التعصب الديني الذي أصبح مسيطراً على الكثير من طلاب الجامعات، والذي يتطور تدريجياً من التعصب في إبداء الرأي إلى التكفير، ثم إلى الإرهاب الراديكالي.

العنف لا يولد إلا عنفاً، السطوة الأمنية غير الحكيمة إذا استمر فرضها، سوف تحول الهواة من ذوي الفكر الداعشي إلى دواعش محترفين، الرجاء الحكمة في التعامل مع هؤلاء الشباب، والاهتمام بالتقرب من تفكيرهم وعقولهم، وتغليب عقل الدولة على عضلاتها الأمنية، وإقامة حملات توعية لمعسكرات ذوي الفكر الداعشي في الجامعات.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.