المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد عيد Headshot

بين داعش والموحِّدين

تم النشر: تم التحديث:

التاريخ يعيد نفسه مرات ومرات، قد تتشابه بعض التفاصيل في أحيان وقد تختلف في أحيان أخرى، إلا أن الثابت أن هناك نواميس للكون وعوامل لقيام وسقوط الأمم والدول والتنظيمات، بل وحتى الأفكار والمعتقدات.

مر على تاريخنا الإسلامي الكثير من الدول التي حكمت كل العالم الإسلامي، أو بعضه، كما شهد العالم الإسلامي الكثير من الأفكار التي قد تبتعد عن تعاليم ديننا الحنيف، أو تقترب منها، أو تمثلها تماماً، كما مر على تاريخنا الإسلامي المعتدل والمتطرف والمفرط.

في هذه المقالة نسلط الضوء على أوجه التشابه بين تنظيم الدولة الإسلامية في الشام والعراق، المعروف اختصاراً بـ(داعش)، ودولة الموحدين التي نشأت على أنقاض دولة المرابطين، وحكمت بلاد المغرب العربي، بالإضافة إلى أجزاء من بلاد الأندلس.

نشأت دولة الموحدين عام 1121م واستمرت حتى عام 1269م، ومؤسسها محمد بن تومرت، واتخذت من مدينة تينملل عاصمة لها في البداية، كانت تلك الفترة التي استمرت حوالي 128 عاماً مليئة باستباحة دماء المسلمين، واستباحة أعراضهم وأموالهم؛ حيث علا التطرف وكثر تكفير المخالفين، كما كان للصراع بين المرابطين والموحدين أثره في انقضاض النصارى على المدن الأندلسية وانتزاعها من أيدي المسلمين، مستغلين انشغال المسلمين بصراعاتهم البينية، وعلى الرغم من سوداوية المشهد، إلا أنه كانت هناك فترة زمنية مضيئة أثناء حكم الموحدين، وهي الفترة التي حكم خلالها أبو يوسف يعقوب المنصور، الذي كان أكثر اعتدالاً واقتراباً من السنة النبوية المطهرة.

وفيما يلي عرض موجز لأهم نقاط الالتقاء بين الحالتين:
المنهج العقائدي:
1- اعتمد الموحِّدون على التقليل من هيبة العلماء والفقهاء أمام العامة، ومحاولة إضعافهم وإسقاطهم حتى لا يبقى في الساحة الفكرية غير فكرهم، وهو المنهج الذي تسير عليه داعش، ففي إصداراتها المتكررة أحلت دماء الكثير من علماء الأزهر وعلماء السلفية وعلماء الإخوان المسلمين المخالفين لفكر داعش.
2- ادَّعى محمد بن تومرت العصمة، كما ادعى أنه المهدي المنتظر، وأعلن نفسه خليفة للمسلمين، ودعا الناس إلى مبايعته، ومن لم يفعل قاتله واستحل أمواله وأعراضه، كما زرع في نفوس أتباعه أنهم الفئة المؤمنة، وأنهم الحق، وما عاداهم الباطل، وهو ما يؤمن به أتباع داعش، فهم يعتقدون أنهم هم الوحيدون المؤمنون، كما أنهم لا يعترفون بالآخر، ويسعون إلى إخضاع الكل لهم حتى وإن كان يدعي حمل راية الإسلام.

3- تكفير المخالفين وما يستتبع ذلك من استباحة دمائهم وأموالهم وأعراضهم، فعلى الرغم من وجود دولة المرابطين التي كانت لها صفحات مشرقة في رفع راية الإسلام في الشرق والغرب وتطبيق تعاليمه، فإن ذلك لم يشفع لها أمام الموحدين الذين أعلنوا كفر المرابطين، وأعلنوا الحرب عليهم وخاضوا ضدهم الكثير من الحروب انتهت بإسقاط دولة المرابطين، وقيام دولة الموحدين على أنقاضها.

صحيح أنه كانت هناك بعض المخالفات الشرعية التي ظهرت بين العوام إلا أنها لا ترقى لدرجة التكفير واستحلال الدماء، وهو ما تفعله داعش الآن من قتال الجماعات الإسلامية المختلفة التي لا تدين لها بالطاعة والولاء، ولم تعلن بيعتها لأبي بكر البغدادي، فعمدت في سوريا إلى تكفير كل الجماعات الإسلامية المخالفة لها حتى التنظيم الذي خرج من نفس العباءة ومن نفس الرحم (جبهة النصرة)، لم يسلم هو الآخر من نفس المصير.

4- رفض الموحدون وجود النصارى واليهود على أراضي المسلمين، ورفضوا العيش المشترك، فبعد فتح مراكش عاصمة دولة المرابطين، خير الموحدون اليهود والنصارى بين خيارات ثلاثة: التهجير أو القتل أو دخول الإسلام، وهو الأمر الذي يتنافى مع فعله النبي -صلى الله عليه وسلم- حين دخل المدينة؛ حيث أعلن (وثيقة المدينة) التي تضمن العيش المشترك بين المسلمين واليهود.

أما داعش فهي تنتهج نفس النهج، حيث قسمت الديار إلى ديار إسلام وديار كفر أو ديار حرب، وهو ما يعني أن يكون أهالي الديانات الأخرى أمام الخيارات الثلاثة سابقة الذكر؛ حيث قام تنظيم داعش بتهجير المسيحيين من الموصل بالعراق، وتهجير المسيحيين من العريش بمصر، وخطف وقتل 21 مسيحياً مصرياً في ليبيا.

5- التطبيق الفوري للشريعة الإسلامية دون مراعاة التدرج في التطبيق، بالإضافة إلى استخدام العنف وإجبار الشعب على تطبيق تعاليم الإسلام، فمن فاته قيام الليل ضرب بالسياط، ومن لم يحضر درس ابن تومرت يؤدب فإن تمادى يقتل.

وهي الأفكار التي يتبناها منتسبو داعش وتؤيدها ممارساتهم في الأراضي الخاضعة لسيطرتهم؛ حيث قاموا بفرض النقاب على السيدات، ومنع تعليم البنات في غالبية الكليات والجامعات، ومنع دور السينما والمسرح وغيرها من الأمور.

الممارسات:
1- عمد محمد بن تومرت إلى قتل العديد من أتباعه وأنصاره قبل قتل مخالفيه، حيث قتل في يوم واحد 70 ألفاً من أتباعه لمجرد شكه بهم وعدم ثقته بهم؛ حيث أمر أهاليهم بإلقائهم من أعلى الجبل، واعداً إياهم بالجنة، وهي الحركة التي سميت بـ(حركة التمييز).

أما داعش فهي تسير على نفس المنوال، ففي معارك الرمادي وبعد تقهقر داعش، قام التنظيم بقتل جرحاه حتى لا يعيقوا حركته، والأمر المتداول بين صفوف التنظيم أن (الشرعي) إذا شك في ولاء أحدهم يقوم بقتله فوراً، مما جعل البعض يهرب من صفوف التنظيم، والبعض الآخر تم قتله في حوادث تكررت في سيناء والعراق والشام.

2- وعد محمد بن تومرت أنصاره بحياة ميسورة رغدة بعد الحصول على الغنائم، وهو السبب الذي دفع بعض القبائل إلى مبايعته، وهو الأمر الذي تستغله داعش من أجل استقطاب المزيد من الأفراد، خصوصاً مع سيطرتها على بعض الآبار النفطية في سوريا والعراق.

3- بعد فتح مراكش على أيدي الموحدين، قاموا -كما أسلفنا- بتخيير المسيحيين واليهود بين خيارات ثلاثة، ولم يكتفوا بذلك، بل قاموا بتخريب كنائسهم ومعابدهم، وأقاموا بدلاً عنها المساجد، وهو الأمر الذي قام به تنظيم داعش في كل المناطق التي قام بالسيطرة عليها.

4- عمد الموحدون إلى أسر نساء المسلمين من الموحدين أثناء حروبهم، وهو جزء من عقيدتهم بتكفير الآخر وما يستتبع ذلك، ففي عهد عبد المؤمن بن علي (الخليفة الثاني)، تمت صفقة لتبادل سبايا من المرابطين بأسرى من الموحدين، تماماً كما قامت داعش بسبي النساء الأيزيديات في الموصل، فهم لا ينكرون وجود السبايا أو ملك اليمين باعتباره جزءاً من السنة النبوية.

5- كان من بين أساليب الموحدين حرق القرى وحرق الرجال والنساء أحياء، وقد فعلوا ذلك مرات عدة، أبرزها حينما قاموا بحرق بلدة جنجال، وهو الأمر الذي تفعله داعش على الدوام بحق أسراها أبرزهم الطيار الأردني معاذ الكساسبة.

لا شك أنه كما كان صعود الموحدين سريعاً وسقوطهم أسرع، فكذلك ستكون نهاية التنظيم.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.