المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد عيد Headshot

من جناق قلعة إلى كوت العمارة.. هل خان العرب الأتراك؟

تم النشر: تم التحديث:

يزخر العالم الإسلامي بالعديد من العرقيات والأجناس، فمنذ دخول الإسلام إلى المنطقة العربية، ثم انتشاره في أصقاع الكون قاطبةً، قد شمل تحت رايته أطيافاً واسعةً من أعراق وأجناس وسلالات شتى، وقد ساهمت كلها في حمل راية الإسلام.

كان للبعض منها دور الريادة والقيادة فى أحيان، وكان للبعض الآخر منها الدور الثاني في أحيان أخرى، وطالما كان المسلمون قادرين على إدارة ذلك التنوع والاختلاف والثراء لصالح قضايا الأمة كانت وحدة المسلمين حاضرة، وحينما فقد المسلمون تلك الميزة وعجزوا عن إدارة ذلك التنوع في إطار من التعايش غابت الوحدة، وتفككت أوصال الأمة.

فهم الغرب هذه الحقيقة في بدايات القرن الماضي فعمل على إضعاف الأمة وتفكيك وحدتها بإذكاء روح القومية والوطنية في نفوس الشعوب والقادة، في سبيل إضعاف مفهوم الخلافة والوحدة، وهو الأمر الذي مكنه من تقسيم أراضي المنطقة في اتفاقية سايكس بيكو عام 1916.

تبعا لذلك، فقد شهدت المنطقة خلافات بينية، فظهرت خلافات عربية أمازيغية تارة، وخلافات تركية كردية تارة، وخلافات عربية تركية تارة أخرى، وغيرها من الخلافات التي تعج بها المنطقة.

إلا أن أهم تلك العلاقات التي تم محاولة النيل منها هي العلاقات التركية - العربية، فيعمل على الترويج بأن العرب كانوا على مدار التاريخ (خائنين) للأتراك، واتهامهم بأنهم كانوا سبباً رئيسياً في سقوط دولة الخلافة، مرماه في ذلك منع أي تقارب في سبيل توحيد هذه الأمة.

وهو ما أوضحه الرئيس التركي في تصريح له في يناير/كانون الثاني من عام 2017؛ حيث قال: "من الخطأ اتهام كل العرب بالغدر بسبب بعض الأخطاء التي حدثت خلال الحرب العالمية الأولى".
"قيل لنا لسنوات طويلة: إن العرب طعنوا ظهورنا من الخلف وخانوا أجدادنا العثمانيين، عبروا عن هذه الحادثة بأقبح الأوصاف التي يمكن استخدامها، وبالمقابل تعلم العرب أن الدولة العثمانية استعمرتهم لمئات السنين، كما أنه تم تفريق الشعبين بالحدود الجغرافية المصطنعة، وتم تدريسهم وتدريسنا حوادث تاريخية خاطئة لنصبح أعداء، وفي خصام دائم بسبب هذه الأكاذيب، وأن تقطع الأواصر بين تركيا والعالم العربي من خلال إثارة بعض الاضطرابات التاريخية". (1)

وبالعودة إلى التاريخ وعوامل سقوط الدولة العثمانية فإننا نجد أن كلاً من العرب والأتراك قد ساهموا بنصيب فى إسقاط علم الخلافة، فكما كان الشريف حسين (العربي) قائداً لما أطلق عليها (الثورة العربية الكبرى) عام 1916، ومنادياً بانفصال الحجاز عن جسد الخلافة، ومتعاوناً مع الاحتلال الإنكليزي، فقد عمل بعض الأتراك أيضاً على إسقاط الخلافة وتقطيع أوصالها، فقد كان لأعضاء جمعية الاتحاد والترقي الفضل في انفصال كريت وبلغاريا والبوسنة والهرسك عن دولة الخلافة، كما قاموا بتدبير انقلاب على السلطان عبد الحميد الثاني عام 1909، بالتعاون مع الأرمن، وقد نجحوا في إنزاله من على العرش ونفوه إلى سلانيك، ولم يكتفوا بذلك فحسب، بل قاموا بتسهيل دخول الإسرائيلين إلى فلسطين، بعد أن كان السلطان عبدالحميد الثاني حجر عثرة فى وجه أطماعهم، كما أن من قام بإسقاط الخلافة نهائياً كان تركياً ولم يكن عربياً.

إذن، فإن الخيانة لم تكن موجهة من العرب إلى الأتراك، ولكنها كانت خيانة من بعض العرب والترك إلى جسد الخلافة العثمانية (الإسلامية).

بيد أننا إذا دققنا النظر إلى صفحات التاريخ، لوجدنا أن العرب كانوا أكثر الناس وفاءً للخلافة العثمانية، فقد شارك العرب في موقعة جناق قلعة عام 1915 ضد جيوش الحلفاء إبان الحرب العالمية الأولى؛ حيث شاركت ولاية حلب وحدها بفرقتين هما الفرقة 24 والفرقة 26 إضافة إلى العرب من مصر والعراق وفلسطين وشبه الجزيرة العربية وليبيا، علاوة على كتيبة كردية شاركت هي الأخرى ومتطوعين من البلقان والقوقاز، وما زالت أضرحة الشهداء العرب في مدينة جناق قلعة تشهد بذلك.

في تلك المعركة، سطر العرب والأتراك والكرد وغيرهم ملحمة بطولية؛ حيث منعوا قوات الحلفاء من عبور مضيق الدردنيل واحتلال إسطنبول.

وغير بعيد زمانياً ولا مكانياً عن تلك المعركة، سطر العرب والأتراك ملحمة تاريخية أخرى ففي عام 1916، وفي مدينة الكوت بالعراق، استطاع الجيش العثماني (عرباً وأتراكاً) إلحاق الهزيمة الأكبر في تاريخ العسكرية البريطانية؛ حيث استطاعوا محاصرة الجيش البريطاني المؤلف من 13 ألف جندي وإجباره على الاستسلام.

يحاول البعض الآن إثارة نعرات القومية والوطنية، ويحاول الوقيعة بين العرب والأتراك، وهو الأمر الذي يعمل العرب والأتراك على معالجته، ففي عملية غصن الزيتون التي يشارك فيها الجيش السوري الحر والجيش التركي، يحاول البعض تشويه صورة الجيش السوري الحر والتقليل من إنجازاته لصالح الجيش التركي؛ لذلك اتخذت القيادة التركية قراراً بوضع شعار الجيش السوري الحر على الملابس العسكرية للجنود الأتراك المشاركين في العملية.

إضافة إلى تصريحات القادة الأتراك المتتالية التي تحاول أن تستوعب أي خلافات قد تنشب نتيجة لتلك المحاولات؛ فرئيس الوزراء التركي كان قد اعترف بفضل العرب في معركة جناق قلعة، وحينما أطلقت تركيا عملية درع الفرات، كان الرئيس التركي قد صرح بأنهم يردون (جميل) أجداد السوريين في حلب والباب الذين قدموا أرواحهم في معركة جناق قلعة.

إذن، فالتاريخ يثبت أن العرب لم يخونوا الترك، بل كانوا أكثر وفاء من غيرهم لراية الخلافة، كما يثبت التاريخ أن العرب والأتراك عندما توحدوا أصبحوا قوة لا يمكن تجاوزها، فماذا لو توحد العرب والأتراك من جديد؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر:
- رابط تصريح الرئيس التركي:
- الأتراك وقصة "خيانة العرب" في الحرب العالميّة الأولى، مقال في موقع ترك برس الصحفي منشور بتاريخ 25 سبتمبر/أيلول 2014.
- تصريح صحفي آخر للرئيس التركي، منشور بصحيفة "هاف بوست" بتاريخ 25 يوليو/تموز 2017.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.