المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد عيد أيوب Headshot

جار المأذون "9"

تم النشر: تم التحديث:

بعد صلاة عصر الجمعة، كان الكل قد اجتمع في منظرة بيت مولانا، إكرام وأخوها سيد، يتحاشى كل منهما النظر إلى الآخر.
حضر الحاج علي الفقي، عضو مجلس النواب، وله شأن وكلمة فى العزب المجاورة، صديق مولانا الصدوق، ورفيق دربه، وكذا حضر كبير عائلة إكرام وسيد، عمهما الحاج حامد أبو مندور.

رفض زوجها عبد الله الحضور، واعتذر لانشغاله، واضح أنه لا يريد أن يكون طرفاً في موضوع إرث زوجته، ربما لأنه أكل إرث أخواته من قبل!

في بادئ الأمر تكلم مولانا، فذكر الله وأثنى عليه بما هو أهله، وصلى على النبي الأمين وآله وصحبه، ووجه الشكر للحضور، ثم تلا قول الله جل وعلا: "يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين"، وهي الوصية الوحيدة من الله للوالدين؛ إذ زرع في قلبيهما حب أولادهما بالفطرة بلا تمييز، والمرة الوحيدة التي شدد على معاملة الوالدين لأبنائهما، كانت في وصية الإرث.

جاءتني الست إكرام، واشتكت أخاها سيد، الذي ضن عليها بنصيبها الشرعي في الإرث، ونحن مجتمعون هنا لشيء واحد لا ثاني له، أن نسمع للطرفين، وأن نعطي كل ذي حق حقه، وقد قرأنا الفاتحة: "يقصد مجلس القضاء العرفي المكون من ثلاثتنا، مولانا، والحاج علي الفقي، وأنا"، على أن نسلب أهواءنا وننسلخ من ميولنا، ونحكم بما أرانا الله بلا تمييز لأحد على أحد، والله وكيلنا، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

تحبّوا مين يتكلم الأول؟ يوجه مولانا سؤاله إلى سيد وأخته.

يبادر سيد أولاً بخبث شديد محاولاً جر النقاش إلى فرع بعيد عن الموضوع، فيعنف أخته على حضورها مجلس الرجال، وأين هي من الأصول في بلدنا الريفي، مثلك يجلس هناك في مجلس الحريم!

شدهت إكرام من منطقه، لكن مولانا نظر إلى سيد بحدة.
- محدش غريب يا سيد، عيب الكلام ده، وخصوصاً عمك وكبير عيلتكم حاضر وعنده علم قبل ما حد منكم ييجي هنا.
يرد سيد ببجاحة أكثر:
= ما هي لو في عصمة راجل ما كانش سابها تقعد وسط الرجالة وتتكلم كده.
ينتفض عمه الحاج حامد من مكانه وهمّ بصفعه جراء تجاوزه، إلا أن الحضور حال بينه وبين الوصول إليه.
يواصل الحاج حامد:
* أما عيل عديم الرباية صحيح، الغلط ده له تمن، أيّد عندك يا أستاذ.
يتكلم مجلس القضاء فيما بينهم، ثم يرد الحاج علي الفقي، أيّد عندك يا أستاذ، خمستلاف جنيه غرامة على سيد لصالح إكرام وجوزها.
يستشيط سيد أكثر وتجحظ عينيه، ولا ينبس ببنت شفة، الأمر دخل في الجد، والعصبية لن تزيده إلا خسارة على خسارته المحتمة!
هنا وقبل انعقاد المجلس العرفي، يوقع الطرفين المتنازعين على إيصال أمانة على بياض، والإيصالات في عهدة مولانا وفي خزينة مكتبه، والأحكام سريعة فلا استئناف ولا نقض ولا عرض على النيابة، ولا مناص من الحضور.

يهدأ سيد قليلاً، ثم يطلب الكلام..
يوجه كلامه إلى أخته، حقك عليا يا إكرام يا أختي، أنا محقوق لك.
تقبل اعتذاره، فوجهتها محددة إلى صلب مشكلتها، إنقاذ إرثها من الضياع، ووضع أساس عادل لمثيلاتها من المقهورات الضائع حقهن في بلد متدين بطبعه!

يتابع سيد كلامه:
كلكم يعرف كويس إني وحيد أبويا على تلات بنات، إكرام واحدة منهن، من وأنا عيل باصحى الفجر أشتغل وأشقى في الأرض وأكد مع أبويا فاس بفاس، تعليمي متوسط، وما كانش ينفع يزيد عن كده، كان كل اللي حيلتنا فدانين أرض تحت "كلمة تحت في زمام بلدنا تعني ف بحري مرويين بالراحة، وهي تختلف عن أرض فوق القبلية التي تعني أن المياه تصلها بالرفع، وبالتالي هي أرخص سعراً وتحتاج إلى جهد ومال لتزرع".

كنت ابن أربعتاشر سنة يوم ما حاوطنا أرض من الجبل فوق، وكان أبويا مالهوش مزاج ليها؛ لأنها عاوزة مجهود كبير ومفيش غير أنا وهو، شجعته يوميها إني هاجيب عمال وهاراعيهم، والنهارده بعد ما اتصلحت الأرض وطرحت بقى ليها سعر، جاية إكرام عاوزة تورث فيها، وكأنها ملك أبويا.
ترد إكرام:
- هي بالفعل ملك أبونا!
يرد سيد:
= لا.. ملك أبونا ع الورق، إنما الحق إنها ملكي أنا، أنا اللي حاوطتها وراعيتها وجبت لها عمال ومَكَن لحد ما بقت أرض تطلع محصول وتسوى فلوس.
- وانت دفعت أجرة العمال منين؟ واشتريت مكن منين؟ أبوك دفع كل التكاليف، وانت اشتغلت بدراعك، يبقى تحسب أجرتك وتاخدها.
استشاط سيد، ونظر إليها مشدوهاً ومتحسراً من كلامها.
غير أن عمها الحاج حامد مندور استنكر كلام ابنة أخيه وعاتبها.
* عيب يا إكرام، انتي عاوزة تحسبي أخوكي فلاح بالأجرة في مال أبوه، عيب يا بنتي الكلام ده.
تتدارك خطأها قبل أن يحسب عليها وتعتذر.
- آسفة يا أبا الحاج علي، ما أقصدش والله، احسبوا تعب سيد وأنا راضية بحكمكم.
الحاج علي يوجه كلامه لإكرام:
*حاجة تانية يا إكرام يا بنتي؟ خلصتي كلامك؟
- أيوة يا أبا الحاج علي، كمان سيد ما قالش أبويا فات أد إيه فلوس في الدار يوم ما مات، مفتاح الدولاب اللي أبويا كان حايش فيه فلوسه مع سيد، فلوس زرعة البطاطس اللي اتجمعت قبل وفاة أبويا بجمعة فين؟ وفين حقي فيها؟! ولو اتصرفت يقول اتصرفت فين؟ الحساب ما يزعلش.
-لا ما يزعلش، واللي يزعل يشرب م البحر.. يرد بحدة الحاج علي موجهاً نظره إلى سيد.
يأخذ سيد نفساً عميقاً، منتشياً بغنيمة سهلة، لا وجود لدليل واحد عليها.
= مفيش فلوس في الدولاب، أنا فتحته بعد أبويا ما مات، والمفتاح موجود، خديه وافتحي ودوري بنفسك، وأمك أهي تقول لو شافتني أخدت جنيه.
* طب قول الفلوس راحت فين؟ أبوك عمره ما يصرف كل الفلوس دي في جمعة.
= علمي علمك يا إكرام.
أدركت إكرام أن سيد استحل الفلوس، الغنيمة التي لا دليل على استيلائه عليها، حتى أمها التي حتماً تعرف الحقيقة لن تفصح عنها أبداً، فهي تؤمن بأن كل شيء ملك لسيد ولبنيه من بعده.

كل الحضور يعلمون أن سيد ذمته واسعة، يستبيح المال ولا رقيب عليه، ولا يوجد دليل واحد يكذب روايته التي اختلقها تواً، ولكن القاضي لا يملك أن يحكم إلا على الظاهر، والبواطن يعلمها الله.

ينفرد القضاة ببعضهم هنيهة ويتشاورون مع الحاج حامد مندور ثم يخرجون للحكم.

يتحدث مولانا:
- الأرض القبلية يحسب ربعها لسيد، وثلاثة أرباعها مع بقية الأرض البحرية والبيت الكبير يقسم حسب الشرع، لسيد مِثلا ما لأخته بعد أن يجنب الثُّمن نصيب أمه الشرعي من زوجها المتوفى.
تعاد قسمة الأختين ويستوفي نصيبهما على القسمة الجديدة.
مفيش غريب ينزل الأرض طالما التزم سيد بشروط الحكم، يكون للأخ الأولوية في شراء الأرض أو إيجارها من أخواته بسعر السوق وقت الاتفاق إن أردن البيع.

يحتفظ مولانا بإيصالات الأمانة لديه ضماناً لتنفيذ الحكم، على أن تعاد الإيصالات لأصحابها وقت انتهاء القسمة ورضاء كل الأطراف.
يلتزم الحاج حامد مندور كونه كبير عائلة مندور بتنفيذ أولاد أخيه لحكم المجلس.

زغرودة مدوية تطلقها إكرام، وسط خيبة أمل واضحة على سيد، يتظاهر بالرضا وعيناه لا تعكسان أي مظهر للرضا.
لو رضي واقتسم لها ما أرادت قبل أن تأتي به إلى هنا مكرهاً، لكان على الأقل ربح نصيب أختيه اللتين وقعتا له قبل اليوم الأليم، ولاستطاع توفير الأتعاب الباهظة للأستاذة عصمت المحامية، زي المنشار، طالع واكل، نازل واكل.. تلكم العجوز الشمطاء آكلة الحرام ومؤكلته!

مر الوقت عليه دهراً، طماعة هي إكرام، تأخذ مالها وما ليس لها، ورث بنيها الآن إرثان!! فقد فعلها عبد الله زوجها واستولى من قبل على إرث أخواته كما هو معمول به، والآن يرث أبناء إكرام أرض جدهم لأمهم وجدهم لأبيهم... لن يحدث!

يعزم أمره الآن، ويركب حمارته ميمماً وجهه شطر عزبة سرحان المجاورة، يحدث نفسه في الطريق، لا يلقي سلاماً على أحد، وإن بادره أحدهم، أشاح بعصاه.

يحدث نفسه:
* في عزبة سرحان تسكن أخت عبد الله الكبيرة، لها أيتام، ولم ترث من أرض أبيها شيئاً، الآن وقتها، ستأخذ حقها من عبد الله وإكرام، وسيلحق بها أخواتها، وأهو يبقى خراب وعم، والمساواة في الظلم عدل!

ـــــــــــــــــــــــــــــ

طريق جديد أو أمل جديد فتحته فلاحة بسيطة لكثير من بنات جيلها من جاراتها، صدر الحكم، وأمّن عليه كل الحضور، والتنفيذ محتم لا رجعة عنه، ولا مناص منه.

في كل الحوادث السابقة، كانت البنت لا تأخذها الجرأة للشكوى في مجلس عرفي، لا يسمع لها، في الغالب يطلبون معها رجلاً يتحدث باسمها، والرجل هنا إما أخوها الذي تشكو منه، أو زوجها الذي أكل مال أخواته.
يضيع حقها في وضح النهار كونها أنثى فقط، ولا ذنب جنته يداها، جريئة تلك المرأة، نظرتها لا تدع لك فرصة للسطو عليها، من أول يوم تعلم حقها، وتدرك حتمية مآله إلى حوزتها، وقد حدث.

تنفيذ الحكم أمان لك قبل غيرك، لو تكابرت عن تنفيذ الحكم فلن ينظر إليك أحد من أهل البلد، ولن يحضر أحد لك عزاء ولا فرحاً، ولن يعينك معين في أرضك أو سعيك، ولو حدث سطو على دارك أو حقلك، فلن يجلس أحد ليعينك أو يواسيك أو يرد إليك حقك.

نوع من العزل المجتمعي لا يستطيعه سيد، ولا يجرؤ على خوضه أحد من أهل البلد الريفي.

طلع نهار جديد في عزبة القطانين، وأشرقت شمسها بنور ربها، تنساب خيوط أشعتها من بين فروع أشجارها العالية، تنعكس من على صفحات جداولها، يترقرق ماؤه ليروى زرعاً، أنبتته حكمة الله، بيد سواعد أبنائها السمراء.
نهار انقشعت من على سمائه غيمة الظلم الذي طالما حل، وقد آن أوانه كي يرتحل.

سينتشر الحكم انتشار النار في الهشيم، ستحدث حوادث كثيرة وعظيمة في الناحية كلها، ليس مضموناً أن تأخذ كل البنات حقهن، فبعضهن وقع وتنازل، وبعضهن أضاع أبوها حقها قبل موته فكتب كل أرضه باسم البنين.
الطريق طويل، إكرام كانت محظوظة عن غيرها، فكل أرض أبيها ظلّت باسمه حتى موته، لا شك هناك مظلومات، ولكن قطار الوعي قد غادر محطته، ومضى إليهن واحدة تلو الأخرى.

ليس عليهن الاستكانة بعد اليوم، فُتح الطريق، وخرج الجنّي من القمقم، ولا عودة إلى ما كان عليه الأمس.

(تمّت)

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.