المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

د. محمد بركات  Headshot

مقومات القيادة الرقمية في العالم العربي

تم النشر: تم التحديث:

في الوقت الذي تشهد فيه المنطقة العربية تغيرات جمة على كافة الأصعدة الحياتية ومع الاعتماد المتزايد للمجتمعات العربية على التقنية بات لزامًا على كل من يتقلدون مناصب قيادية في القطاعات الحكومية وقطاع الأعمال ومنظمات النفع العام والمجتمع المدني تعديل السياسات واتخاذ كافة التدابير الكفيلة بالاستفادة القصوى مما تحمله التقنيات الرقمية بين طياتها من قوى كامنة في الوصول إلى المستخدمين والتأثير في الأنماط الحياتية التي تشكل طبيعة الاستخدام ووتيرته وفعاليته.

ولفهم هذه الحتمية فإنه لا بد من الإشارة ما يتمتع به المواطن الرقمي من امتيازات تجعل كل الأدوات التقنية طيعة بين يديه مقابل الجهد الذي يجب على المهاجر الرقمي أن يبذله لاستخدام الأدوات والتقنيات ذاتها، وعلى سبيل التعريف فالمواطنون الرقميون هم مواليد تسعينيات القرن الماضي وما تلاها والمهاجرون هم المسافرون من قبل تلك الحقبة نحو تقنيات يومنا هذا، و ذلك ليس سفرًا يسيرًا إذا ما نظرنا إلى حقيقة أن التقدم التقني الذي تحقق خلال الخمسين عامًا الأخيرة يعادل كل ما أبدعته الإنسانية من تقنيات منذ بدء الخليقة.

إن تركيزي اليوم على مفهوم "القيادة" في حد ذاتها ينبع من كل النقاشات والمشاريع التي تحدثت في خضمها مع الكثير من أصحاب الأعمال في العديد من القطاعات وبشكل خاص في منطقة الخليج العربي بخصوص تطوير وجود مؤسساتهم وأعمالهم على الإنترنت، وذلك يتعدى بكل تأكيد مجرد الحصول على موقع على الإنترنت -رغم أهمية ذلك- فبحسب دراسة معمقة لمجموعة جارتنر عن حجم سوق تقنية المعلومات الشرق أوسطي فإنه من المتوقع أن يتعدى حجم الإنفاق فيه في عام 2019 أكثر من 250 مليار دولار، وإذا ما نظرنا إلى حجم السوق الفعلي في 2015 فإنه سيقارب حوالي 214 مليار دولار تبلغ حصة الأجهزة منها (بما فيها الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية) حوالي 36 مليار دولار، وهو رقم هائل يمهد لحقيقة واحدة غير قابلة للدحض وهي مدى استعداد سوق الشرق الأوسط وأهليته لثورة رقمية حقيقية تتجاوز بكل المعايير الاستخدام التقليدي لتقنيات الاتصال نحو استخدامات غير مسبوقة للتطبيقات في جميع مناحي الحياة، سواء على الصعيد الشخصي أو في التعليم والصحة والإدارة الحكومية وغيرها من القطاعات الحيوية. إحصائية أخرى هامة تدعم ما أشير إليه هي نسبة انتشار الإنترنت بحسب مكتب الإحصاء الأمريكي في النصف الثاني من العام الماضي، تفيد بأنه المعدل العالمي بلغ 41% بينما بلغ معدل 17 دولة عربية شملها الإحصاء 116% كان أدناها في العراق (8%) وأعلاها في الكويت وقطر والبحرين والإمارات (99% و 97% و 97% و 94% على التوالي).

ولعلي أنتقل في هذا المقام للتركيز على استراتيجيات ناجعة لتحقيق القيادة الرقمية وهي تتلخص في أربعة مبادئ أساسية:

أولاً: صياغة استراتيجية رقمية محكمة تقوم على التعريف بالمؤسسة أو المنظمة وطبيعة عملها، خصوصًا إذا ما كان نجاحها في الأهداف المرسومة يعتمد بشكل مباشر أو غير مباشر على خلق كيان (أو كيانات) رقمية لها، تترجمه خطة واضحة ومفصلة للمحتوى الرقمي الذي سيكون القناة الموصلة لصوت وأهداف وخدمات أو منتجات هذه المؤسسة أو المنظمة لجمهورها الرقمي.

ثانيًا: وضع تكتيكات وآليات للاستخدام الأمثل لوسائل التواصل الاجتماعي الذي يلبي حاجات المؤسسة أو المنظمة في الوصول إلى جمهورها الرقمي والتواصل المستمر معه وتنميته، حيث تقع العديد من المؤسسات في أخطاء قد تكون ضارة أحيانًا بسمعة المؤسسة وسلامة علامتها التجارية أو التسويقية فليست كل وسائل التواصل الاجتماعي مناسبة لكل المؤسسات أو المنظمات وليس هناك قواعد مكتوبة تحتم على المؤسسات خلق تواجد رقمي على جميع هذه الوسائل، فضلاً عن أن عدم إدارة التواجد على وسائل التواصل الاجتماعي المطلوبة و سوء إدارة الحوارات الدائرة عليها والمحتوى المتبادل من خلالها قد يسبب الأضرار ذاتها لهذه المؤسسات بعدم انشاء تواجد رقمي إن لم يكن ضارًّا بدرجة أكبر في بعض الحالات.

ثالثًا: الانطلاق في صياغة الإستراتيجيات والآليات المشار إليها سابقًا من فهم معمق لكيفية إدارة العلامات التجارية أو التسويقية وتطوير قيمتها السوقية، والاستعانة بأصحاب الخبرة في تطوير المعينات البصرية بما في ذلك الصور والرسوم والفيديوهات لما لها من أثر في إثراء العلامات التجارية و تعزيز ارتباط الجمهور بهذه العلامات و انطباعه عنها.

رابعًا: إدارة مواقع الإنترنت وتحديث محتواها بما ينتظم مع ذلك المنشور على جميع وسائل التواصل الاجتماعي والعكس صحيح، بما يضمن التكامل بين هذه الوسائل جميعها سواء كان ذلك المحتوى إعلاميًّا وإعلانيًّا، و العمل بشكل منتظم على تحليل إحصاءات المستخدمين والزوار والتفاعل مع هذه الوسائل والمحتوى المنشور عليها واستخدام ذلك في تطوير الخطة الموضوعة وتعديلها بما يضمن تحقيق أهداف المؤسسة أو المنظمة، وأهمها جذب "عملاء" جدد يكونون منتفعين من خدمات أو منتجات هذه المؤسسة أو المنظمات أو داعمين لما تمثله من أهداف أو قضايا أو مساهمين فيما نروج له أيًّا كان ذلك.

في الخلاصة لا بد من التأكيد على أهمية الاستفادة من الكم الهائل من المعلومات الناتجة عن التفاعل مع الجمهور الرقمي وليس فقط الاستفادة من التقنيات الرقمية التي لا تعني شيئًا في غياب بيئة تفاعلية ووسائل ناجعة لمراقبة هذا التفاعل وقياسه وتحليله، وكيفية تأثير للوسائل والتقنيات الرقمية على المجتمعات العربية بشكل عام فلكل بلد حالته الخاصة، بل لا يكاد يخلو أي بلد من حالات خاصة به بالنظر إلى الطبيعة الديموغرافية والبنية الاجتماعية والسياسية لهذا البلد أو ذاك.

ليست هناك وصفات جاهزة ولا بد في بعض الأحيان من خوض غمار بعض التجارب وبغض النظر عن النتائج فإن المعرفة الناتجة في كليتها تظل في ذاتها هدفًا مهمًّا للمسوقين والباحثين وصناع القرار، ولعل أقرب الأمثلة على القيادة الرقمية ما يجري الآن في الولايات المتحدة إبان احتدام التنافس في الانتخابات الرئاسية ناهيك بالصراع المحموم لإنتاج مرشح يمثل كل من الحزبين الرئيسين والمستقيل ويرافق ذلك من جيوش محللي البيانات الرقمية الخاصة بالناخبين العاكفين على دراسة كافة الجوانب الديموغرافية ونماذج السلوك الرقمي والتصويت السابق والوسائل المستخدمة من قبل الناخبين والعلاقات المعقدة المتغيرة والثابتة بين كل هذه العوامل وتأثيرها على إدارة الحملات الانتخابية وما ستؤول إليه في نهاية المطاف.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.