المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

د. محمد بركات  Headshot

يا له من شرق أوسط جديد! (2)

تم النشر: تم التحديث:

هناك أسباب جوهرية تحتم على الدول العربية اعتماد نهج مختلف لا يعتمد على الولايات المتحدة، أولها الحضور الطاغي لنظرية إقامة منطقة سيادة أمريكية-إيرانية مشتركة تنطلق من الخليج العربي في مقابل مكاسب الصفقة النووية مع إيران واحتواء برنامجها النووي وتقنين دعمها لسوريا وحزب الله والحوثيين وأي ميليشيات أخرى عاملة في المنطقة تحت أغطية طائفية أو عقائدية.

أما السبب الثاني فهو صعود الولايات المتحدة كدولة منتجة للنفط وعدم اعتمادها الآن على النفط العربي، وهي معادلة لا تزال الولايات المتحدة تحاول موازنتها بحرص شديد بسبب اعتماد شركائها التجاريين وحلفائها في كل من آسيا وأوروبا على نفط الشرق الأوسط.

السبب الثالث يكمن في أن أي معادلة أمنية للولايات المتحدة يجب أن تحافظ على أمن إسرائيل بالمقام الأول وتؤسس له على المدى البعيد، وهو خيار يمكن مشاهدة تأثيراته بالعين المجردة في المشهد الأمني العربي اليوم.

ويمكن بالطبع القول إن تغير أولويات الولايات المتحدة نحو آسيا وبعيداً عن الشرق الأوسط سبب رابع وحيوي دال على حتمية خلق تغييرات جذرية في السياسة الخارجية العربية، وفي منظور الأمن العربي ككل وعدم الركون لما ستجلبه الفوضى الخلاقة من احتمالات ونتائج.

التعددية أو الإصلاح

إن الحديث عن التعددية لابد أن يتأثر بالنسبة للباحث أو الدارس بمعانيها الفلسفية، كنظرية المنظور العالمي الأوحد أو التعددية المعرفية أو التعددية الوجودية، وأنا شخصياً أشجع كل من يريد أن يؤسس لفهم عميق للتعددية لفهم هذه الرؤى حتى على مستوى أكاديمي مبسط كون ذلك يمهد لتأسيس بيئة معرفية سليمة بأصول الأشياء وطبيعة تطورها.

وعلى سبيل التبسيط فإنه لا يكاد يخلو مجتمع عربي (أو غير عربي) من شكل من أشكال التعددية الثقافية، سواء ذلك المتأثر بجغرافية البلد الواحد (أهل الشمال/أهل الجنوب، أهل الحضر/أهل البداوة، مجتمع القرية/مجتمع المدينة إلخ..) أو ما يطرأ عليه من هجرات مؤقتة أو دائمة للعمالة الوافدة أو المهاجرين/المهجَّرين المستوطنين، أو تعددية مدارس الفكر (قومية، رأسمالية، اشتراكية، دينية، يمين، يسار، إلخ..)، وأعود هنا للتركيز على البيئة المعرفية وأحد سبل فهمها هو سهولة الوصول إلى المعلومات بسبب التطور التقني الهائل والتأثر الكبير للأفراد بثقافات وحضارات وأساليب حياتية أخرى قد تعتبر دخيلة أو غريبة للبعض الآخر.

والتعددية المثلى هي كما في علم الأحياء تلك التي تقوم على التكافل والتكامل وليس على هيمنة السلالة الأقوى، والمفارقة هنا هو أن التكافل والتكامل هو الاختيار الطبيعي الوحيد الذي يحقق البقاء للجميع على اختلاف طبائعهم وأشكالهم وبيئاتهم.

ونجد في التاريخ قديماً وحديثاً من الأمثلة ما يكفي لتحقيق تلك المعادلة، ومنها الأغلبية والشورى والاستفتاء ما يحتم وضع آليات إصلاح حقيقية تؤسس للشمولية المجتمعية وتنهي سياسات الإلغاء والإقصاء والتهميش، وتتجلى أهمية ذلك في تحقيق إصلاح "عضوي" يوفر بديلاً صحياً لاعتماد البعض سواء كانوا أفراداً أو مجموعات على استيراد أو استيلاد وصفات أجنبية للتعددية لا تتناسب والذوق العام ولا تحقق أبسط متطلبات التنمية المستدامة في منطقتنا.

وتتكامل التعددية - كآلية للإصلاح- مع الأمن كونها تحقق متطلبات التطور العضوي للتطور الفكري و المنهجي للأفراد و تمثل حاضنة مقبولة للتوجهات الأيدولوجية ضمن بوتقة البلد الواحد دون الاضطرار إلى اتخاذ تدابير متطرفة ضد تبعية أو ارتباط جمعية أو حزب ما بأي مرجعية خارجية، وتغدو المرجعية الأهم التي يجب المحافظة عليها هي تطور سلالات جديدة من المدارس الفكرية والحزبية على أساس المرجعية الوطنية والعرف الأهلي.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.