المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد أيمن حسين  Headshot

لهذا أحببت مريم

تم النشر: تم التحديث:

لم أكن طفلاً اجتماعياً.. كنت أخلد كثيراً في إحدى نواحي الفصل وحدي، لم يكن لي صديق قريب -أو صديقة- على الرغم من محبة أغلب زملائي لي.

وكنت أتساءل كثيراً عن سر تلك المحبة التي كنت أتلقاها، فلم أكن أكثرهم عبقرية وكُنت أسرح كثيراً وأنا في تلك الصومعة.

أجلس في آخر الفصل أتأمل كل من أمامي، فكان لكل طفل من هؤلاء عالمه الخاص.

ستجد هنا مَن لا يغفل ثانيةً وآخر قد أتخذ من الفصل سريراً دافئاً، سترى فتاة مرحة تملأُ المكان بروحها البريئة، وأخرى تعيش في يوتوبيا لا يقدر أن يدخلها سوى طفل وسيم مثلها.

وسترى آخر ليس من هؤلاء ولا يكترث بما يحدث حوله، ولقدري كان هذا الآخر هو أنا!

وقعت بين كل تلك العبثية فتاة ما زلت أتذكر كل ثغرة في ملامحها.. تصبغ على من يراها نوستالجيا دافئة.

كنت أراقبها كثيراً وأختلس منها رمقاتٍ تمضي في برهات، ربما كطفل لم أدرك مشاعر الحب، لكني أدركت جيداً أن هناك شيئاً ما يجذبني إليها حتى رغم جهلي بماهيته.

كانت في مثل قامتي تقريباً، يتطاير شعرها الداكن كثيراً ليستقر بين عينيها البنيتين اللتين ترى بهما هذا العالم الصغير، حتى تمنيت أن أتحدث معها وأدركت مؤخراً أني لم أكن وحدي من يتمنى هذا.

لم أكن أعلم اسمها فقد كانت صامتة أغلب الوقت مثلي فلقبتها أنا بمريم، وأصبحت أتذكرها كلما مرت على عقلي بهذا الاسم، وحسبي أنني ما زلت أتذكرها بهذا الاسم حتى بعد معرفتي باسمها فقد كانت عذراء الروح كما بدت لي في ابتساماتها التي كانت تشفق على عيني بها بين الحين والآخر.

لم أتحدث مع مريم من قبل، حاولت كثيراً لكن كنت دائماً أتراجع خوفاً.

كنت أستيقظ كل صباح وأكتب إلى مريم خطاباً أتحدث فيه عن كل ما بقلبي تجاهها، وأعزم أنني لن أخجل وسأعطيه لها، لكن كل مرة كُُنت أتوارى في خجلي الذي كنت أكرهه.

ظللت أنثر كلماتي سطوراً لا يقرأها غيري، ولا تعلم مريم شيئاً عنها -وربما عني أنا أيضاً- حتى تكتلت حقيبتي بتلك الخطابات وتكتل قلبي بألمٍ لم أحتمله، وتساءلت كثيراً هل مريم كذلك تحاول أن ترسل لي أي شيء؟ كان هذا سيسعدني كثيراً لكن لا بأس، ربما سيأتي يوم وسيسأم مني خجلي وسألقى مريم مرة أخرى.

وكنت أخشى ألا تتذكرني أو يمحوني الوقت من ذكرياتها.

كبرت لكن ليس كثيراً، لم تتغير ملامحي، ربما فقط ازدادت قامتي قليلاً، ورحلت براءة صوتي، ورحل معها الكثير.

كبرت مريم وأصبحت أجمل وأكثر أنوثة مما كانت عليه في الفصل، وما زلت أعشقها عندما تبتسم أو تداعب إحدى صديقاتها بصوتها الرقيق.

لم يدخل في حياتي فتيات أُخريات - ربما غير فيروز - وكذلك أنا لم أحل ضيفاً على قلب أي فتاة، وما زالت حياتي تمضي في روتين قاتل.

أشغل أوقاتي أحياناً بقراءة الخطابات التي كتبتها منذ سنوات، ربما كان بوسعي الآن أن أتحدث إلى مريم.. فأنا وهي لم نعد صغاراً وربما ينتابها نفس الشعور تجاهي.

لكن اقتلعتني غياهب الحياة ورأيت نفسي مكبلاً بفيضٍ من الخوف تجاه مريم، قابلتها أكثر من مرة ورأيت في عينيها رمقة اعتدت أن أراها ونحن صغار جعلتني أظل صامتاً مرة أخرى.

مضت الحياة وأصبحنا طلاب جامعة، ادخرت بعضاً من الجرأة في هذه السنوات ونويت أن أتحدث إلى مريم، فلم يعُد بوسعي أن أظل في سجن الكتمان كل هذا الوقت.

لكني لم أجدها.. ولم أعلم أين ذهبت، هل سافرت بعيداً أم تغيرت ملامحها إلى هذا الحد؟

هل ما زالت تتذكر الطفل الذي كان ينظر لها طويلاً ثم ينتابه الحرج عندما تراه؟

في قلبي فيضٌ من المشاعر إليك وفي حقيبتي كثيرٌ من الخطابات لكِ، ربما كتبتها بعقل الطفل الصغير، لكن لا تكبر قلوبنا معنا يا مريم.

ما زلت أمضي وقتي وأنا أبحث عنها، اشتقت كثيراً إليها.. وإلى صدق كلماتها وروحها.

كانت تسهر معي كل يوم قبل أن أنام، وتشاركني حزني ودمعاتي أحياناً، لكن عندما أفيق وأراها ليست معي أتألم كثيراً حتى مرّ من عمري سنواتٍ ولّت بثقل، بقيتُ وحيداً فاتخذتُ من دخان سجائري رفيقاً لكني ما زلت أتمتع بقدرٍ لا بأس به من الأخلاق.

ما زالت تمر الأيام في شرذمة من الأسى وتنسينى يوفوريا الحياة ما أحلم به، لم أتحمل يوماً أن أتكلم.. دائماً كان الصمت غايتي.

مرت سنوات لم ألق فيها مريم. وحتى لم أحقق ما تمنيت عندما كنت صغيرأ.. ما زلت وحيداً ألملم غاياتي وأتسامر أحياناً مع فنجان قهوة تمنيت أن أذوقه يوماً مع مريم.

لكن حقيقةً فإن الأكثر ألماً من كل ذلك هو أنني لم ألق حتى حقيبة خطاباتي!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.