المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد عواد النعيمات  Headshot

بين التخلف والتهميش نعيش هنا

تم النشر: تم التحديث:

لا يخفى علينا أن الدول تقوم على ثلاثة أركان أساسية هي: الأرض، والشعب، والنظام السياسي، وهذه الأركان مهمة؛ لتكون هذه الدولة بشكلها الصحيح والسليم، كما أن أي اختلال في هذه المعادلة الثلاثية قد يؤدي إلى انهيار حتمي لكيان الدولة ومستقبلها، وهذا بطبيعة الحال شيء لا نتمناه جميعنا لدولنا وبلداننا، واليوم قد لا يكفي أن تكون هذه الأركان متوافرة، فالحفاظ على هيبة المؤسسات الوطنية والاجتماعية أصبح ركناً أساسياً في ديمومة الدول والأوطان، وهذا الأمر في غاية الأهمية، خاصة في البلدان النامية، أو ما تسمى دول العالم الثالث.

الأزمة الاجتماعية في الدول النامية

حيث تتسم هذه الدول بتغوّل السلطات التنفيذية وانتشار التخلف، سواء على صعيد العقل الجمعي للمجتمعات أو البناء الحضاري والفكري النهضوي الخاص بالنخب المجتمعية، وغياب القدوات، فضلاً عن وجود تخليق مشوه للمؤسسات السيادية التي تكون في بعض الدول قد تم تقسيمها بين القوى الاقتصادية والسياسية التي تتنافس على السيطرة على الساحة السياسية داخل الدولة -إذا صح التعبير أنها دولة- حيث أصبحت هذه البلاد عبارة عن مزارع ومناجم ذهب يتاجر فيها من كانت له السيادة والقوة في ظل غياب وتغييب للنخب السياسية والعلمية والفكرية في داخل أقطار هذه الدولة.

الأزمة الفكرية والحضارية في هذه الدول

المجتمعات في هذه الدول تعاني بشكل كبير على جميع الصعد والمجالات، فلو كانت هنالك جائزة نوبل للتخلف والاضطهاد لحازتها هذه الدول من دون منافس، فلقد أبدعت الأنظمة الحاكمة في هذه الدول أيما إبداع في العمل التجهيلي الممنهج الذي تريد به استمراريتها والديمومة لوجودها.

إن نهج إسقاط القيم الاعتبارية للمؤسسات الوطنية والاجتماعية شيء يدعونا إلى الخوف والقلق، فحينما تسقط هيبة مجلس النواب والحكومات المتعاقبة، وتفرغ دور العبادة من روحها الأصيل ويتحول التعليم بالوطن إلى بؤر تجهيل ممنهجة، ويتم العمل على فصل مكونات المجتمع عن بعضها البعض، نجدنا أمام دولة هشة ضعيفة هي أقرب للزوال من الصمود في أي معترك وطني حقيقي، في الوقت الذي تجد فيه الوطن يحتاج لعلمائه ونخبه الفكرية والمجتمعية، سيجد نفسه خالياً خاوياً لا تجري مياه الحضارة بداخله، وهذا أمر خطير جداً، ويستلزم منا تحركاً شعبياً متحضراً يعيد إلى الوطن أنواره التي سُرقت منه، ويرسم من جديد لوحة الأمل التي طالما كنا نحلم بها.

إذاً ماذا علينا أن نفعل؟

كل ما سبق يدعونا جميعاً، وخاصة نحن معشر الشباب إلى أنه علينا البدء بالعمل، وأن يعي كل منا دوره ويتفهم أن الخطوة التي يخطوها ستكون طريقاً معبداً لمستقبل الأجيال القادمة، فنحن هنا في الوطن العربي لدينا ثروات إنسانية عظيمة وكبيرة ولدينا مرجعية إنسانية قد أسس لها وأنشأها الإسلام، فالباحث في تفاصيل التنظير الفكري الإسلامي طوال عصوره الذهبية ليجد أنه جاء لنا ومن أول لحظة بتوجيه سماوي من الله إلى نبيه المختار؛ حيث قال: "اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ" (سورة العلق)، وهذه الآية هي أول ما أُنزل من القرآن العظيم؛ حيث إن التوجيه الرباني قد دعانا إلى العلم والتعلم بلفظ اقرأ، وبين أن القراءة هي أول وأبسط تحرك علمي قد يكون لنا به البدء، ولكن هذه الآية لم تقتصر على ذلك، فكان العمل بمعية الله الخالق بقوله: "باسم ربك"، أي أن التحرك العلمي يجب أن يكون في جانبه توجيهاً ربانياً، والذي نستطيع في يومنا هذا القول بأنه العامل الأخلاقي في بناء الحضارة المعاصرة.

وعلى هذا يجدر بنا أن نعود إلى الكتاب وإعادة إصلاح علاقتنا به، وإنشاء طريق معرفي ممنهج خالٍ من العبثية والتشتت غير المحمود، فالوقت قد لا يسعفنا لمعالجة أي أعراض جانبية في وقتنا الراهن، وعلينا أن نسعى اليوم لتفهم حركة الشعوب والعمل على إنشاء تنظير علمي معرفي خاص بهذا المجال يتبعه تحرك علمي مادي مع الإحاطة بأدوات العصر ووسائله الحديثة وتفهمها، وهذه أولى الخطوات التي قد تساعدنا على العودة إلى مسارنا الإنساني الصحيح، كما أن علينا العودة إلى أصولنا الإنسانية وتراثنا الوطني العربي، الذي جاء الإسلام ليحدث له تطويعاً وإعادة تشكيل؛ ليكون لائقاً بتكوين حضارة قادمة تسمى الحضارة الإسلامية.

إن تغييب العقل المسلم عن التاريخ الذي كان لأجداده وتشويه الصورة التاريخية للماضي الإسلامي في عقول أهل الإسلام قد عاد علينا اليوم بانفصال الإنسان عن تاريخه، وأحدث لدينا "شيزوفرينيا" اجتماعية تظهر أعراضها من خلال الطرح الثقافي المتداول بين الأوساط الشبابية في مجتمعاتنا؛ حيث إننا اليوم أصبحنا نسعى لنكون تبعاً تطبيعياً مع الحضارات التي حولنا في ظل وجود أزمة القدوات في المجتمعات الحالية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.