المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد الطناوي Headshot

المخابرات العسكرية والإرهاب المسكوت عنه

تم النشر: تم التحديث:

يقال أن عرافة تنبأت لأحدهم في زمن ماضٍ أن التاريخ سينتحر ضجرا من فرط تكراره ببلادنا، وأن أهلها سيلدغون من نفس الجحر مرتين وثلاثاً وأربعاً حتى عشر مرات، وأن خصيانها سيظلون هم النخبة فلا يسمع لها صهيل، وأن حكامها عسكرها سيجلبون لبلدهم "بدل النكسة مية نكسة"، وأن علامة النكسة المقبلة الكفتة.

(١)

لن تجد بين جميع الكتابات التي تنتقد النظام اليوم من يذكر دور جهاز المخابرات العسكرية في الحياة السياسية، وإن تعرض أحدهم له مضطرا تحدث عن "الجهاز السيادي"، صحيح أننا ببلد تدير شئونه الأجهزة الأمنية منذ الأزل، لكن الأمر كان قاصرا -طوال عصر مبارك- على أمن الدولة، بجانب دور ما للمخابرات العامة، ولكل رجاله، فكان من أبرز النماذج الأمنية ـ في عهد المخلوع ـ الأستاذان كرم جبر رئيس مجلس إدارة روزاليوسف وعبد الله كمال رئيس تحريرها، وكانا تابعين لأمن الدولة، لذا تصدرت روزا الهجوم على مجموعة الحرس القديم في الحزب الوطني، لإفساح المجال للحرس الجديد بزعامة جمال مبارك، الذي تبنى الجهاز الأمني مشروعه في خلافة أبيه، بينما كان الأستاذ مصطفى بكري رئيس تحرير جريدة الأسبوع أبرز الأسماء التابعة لجهاز المخابرات العامة الرافض لمشروع التوريث، فسخر جريدته حينها لمهاجمة الحرس الجديد، هكذا كان الحال في عهد المخلوع أما اليوم فإن جهازا ثالثا (المخابرات العسكرية) نزل إلى الساحة السياسية، ليأخذ نصيبه هو الآخر من كعكة السلطة والنفوذ، وليحمي المصالح الاقتصادية للمؤسسة التابع لها.

تداول الناس اسم الجهاز لأول مرة بعد الثورة مرتبطا بحوادث التعذيب بالمتحف المصري وكشوف العذرية، وتوارى ذكره عن الأسماع في فترة حكم مرسي بعد أن كفى ماجور على تقرير لجنة تقصي الحقائق، الذي أدان المخابرات العسكرية في حوادث القنص التالية لـ ٢٨ يناير وحتى ٢و ٣ فبراير (موقعة الجمل)، إثر ثبوت سيطرة الجهاز على المنطقة المحيطة بميدان التحرير والفنادق المطلة عليه كـ"رمسيس هيلتون" وسميرأميس كونتننتال"، ثم برز مجددا مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية بصفته لا باسمه، فتحدث عدد من رؤساء الأحزاب والسياسيين عن الجهاز السيادي الذي يجري اتصالا بمرشحين، ليطالبوهم بالانضمام إلى قائمة الدولة "في حب مصر"!

(٢)

المشاهد الثلاثة التالية ترصد الدور الجديد القديم الذي لعبه الجهاز في العهد الناصري ليدخل في منافسة وصراع مع الأجهزة الأمنية الأخرى، ويغفل عن مهمته التي رسم القانون حدودها بعيدا عن السياسة وشئونها، واليوم يعود ليخرق مجددا هذه الحدود!


المشهد الأول


فلان: آلو
ضابط المخابرات الحربية: فلان
فلان: أيوة يا فندم أنا
الضابط: معاك العقيد ترتان من المخابرات الحربية، سمعنا إنك نازل الانتخابات الجاية، إحنا بننصحك متنزلش.
فلان: بس يا فندم..
الضابط: مبسش، اسمع الكلام يا فلان
فلان: تمام يا فندم

نفس المشهد مع تعديل طفيف...
الضابط: إحنا عاوزينك تنزل على القايمة بتاعتنا، " لازم الكل يركب في مركب الدولة".
علان: ده شرف ليا يا باشا...


المشهد الثاني


صحفي متخصص في الإسكان ينشر على موقعه قصة تتناول فساد شركة مقاولات شهيرة، يُستدعى الصحفي من قبل المخابرات العسكرية.
الضابط: اسمع يا علان الشركة اللي بتتكلم عنها دي بتاعتنا من الباطن، يعني الموضوع ده متفتحوش تاني.
الصحفي: يا باشا أنا معايا مستندات..
الضابط: أنت سمعت أنا قلت إيه؟! الموضوع ده متفتحوش تاني.
الصحفي تمام ساعدتك..
الضابط: إنت لو كنت من صحفيين السبوبة كنا جبناك بطريقة تانية، لكن هنديلك ملفات لشركات تفتحها.
الصحفي يخرج من الجلسة حاملا ملفات فساد شركات منافسة!


المشهد الثالث


حقوقي شهير هو حسام بهجت تستدعيه النيابة العسكرية بعد نشره تحقيقا صحفيا عن محاكمة عدد من ضباط القوات المسلحة بتهمة الانقلاب ضد نظام الحكم. متابعة المحاكمة اقتصرت على وكالات الأنباء الأجنبية، وربما كان تحقيق حسام بموقع مدى مصر هو المادة الوحيدة المنشورة بالصحافة المصرية عن المحاكمة!! ورغم أن حسام لم يخرج فيما أورده عن شهادات أهالي المتهمين، وما جاء بأوراق القضية وكلام المحامين لكن جهاز المخابرات العسكرية رأى تحقيق حسام خروجا عن النص، فالرئيس السيسي قالها عندما كان فريقا أول: مفيش حد يقدر ينشر كلمة عن الجيش دون إذن!

(٣)

جريمة الجرائم هنا ليست في النهج القمعي الذي تنتهجه السلطة الحالية عبر أجهزتها الأمنية، بل في تكرار الحكام العسكر لخطايا أسلافهم، مستبعدين أن تأتي النتيجة نكسة جديدة تُدخل البلد في ملهاة تاريخية مبكية ومضحكة في آن..

أطفال قصتنا على غرار حكاية أندرسون هم أول من أعلنوا أن الإمبراطور عارٍ، بينما بالغوها هللوا وطبلوا ورقصوا لمرأى الإمبراطور العاري يدخل عليهم من بوابة الجيش ليجلس على العرش، أما النصاب الذي حاك الوهم الإمبراطوري فهو الأجهزة الأمنية، وعلى رأسها اليوم جهاز المخابرات العسكرية، بعد أن تغول دوره في الحياة السياسية على حساب الجهازين الأمنيين الآخرين، دور يغذيه صمت نخبة خصية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.