المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد المولدي الداودي Headshot

النهضة ودائرة الحكم: الموت الرّحيم أو خطّة التذويب البارد

تم النشر: تم التحديث:

البارعون في فنون الصيد يحسنون خطّ المسالك للإيقاع بالطرائد ويتقنون نصب الكمائن والفخاخ ويدركون قدرة الطريدة على المقاومة كما يدركون لحظة انهيارها واستسلامها ..ومن البراعة في الصيد دفع الطريدة إلى قتل نفسها باختيارها موضع الفخّ اعتقادا منها أنّه موضع النجاة..هذا عالم فن القتل كما هو عالم فن السياسة.

في عالم السياسة صيّادون وطرائد وفخاخ وكمائن وحيلة ودهاء ..وفي عالم السياسة إنهاك الطريدة وعزلها فنّ من الفنون ودرس من دروس الآداب
السلطانيّة وفقه الحكم والملك. وفي تونس مابعد الثورة استعاد خصوم السياسة والفكر كلّ فنون الخداع السياسي وتحوّلت السياسة إلى ميدان
لمعركة قاتلة فاتكة تستباح فيها أخلاق الفرسان والنبلاء واستعانت الأحزاب بالإعلام والمواقع الإداريّة والأمنيّة والقضائيّة والنقابيّة لتجهز على
خصم سياسيّ انشدّ في كل معاركه إلى بعض من وصايا النبلاء في فقه الحروب..كانت سياسة الإشاعة والتشويه والسخرية وابتذال الخصم واصطناع
معارك هامشيّة إنهاكا لقدرات الخصم وتحريفا للأهداف الكبرى فيضيع الجهد ويفقد الهدف. وقعت حكومة الترويكا في كلّ فخاخهم فسقط حكمها .

كانت نتائج انتخابات أكتوبر 2014 حصادا سياسيّا لما صنع خصوم الترويكا وكان فوز حزب نداء تونس أحد التعبيرات السياسيّة عن فشل الترويكا وحزب حركة النهضة خاصّة في فهم فنون الخصومة السياسيّة وكان البحث عن خيارات الحكم والمعارضة بعيد الانتخابات أحد رؤى التحليل والتفسير للمحللين والسياسيين .

اختارت حركة النهضة السير في مسار "توافقات فرنسا" بين الباجي قايد السبسي وراشد الغنوشي وفكّت عرى الترابط بين المكوّنات الحزبيّة التي
تنتمي للعائلة "الثوريّة" وأضحت ملمحا من ملامح الحكم "التوافقي" الذي حاول راشد الغنوشي ومن بعدة قادة الحركة الترويج له باعتباره أحد علامات
"العبقريّة " التونسيّة ما بعد الثورة وكانت النهضة تدرك قبل غيرها من مكوّنات الفعل السياسي في تونس أنّ مساحة المناورة الداخليّة والإقليميّة
والدوليّة ضئيلة جدّا ومحفوفة بالمكاره .

كان تمثيل الحركة في الائتلاف الحكومي رمزيّا ولا يعبّر تناسبيّا عن حجمها الشعبيّ أو البرلمانيّ وظلّ كثير من قادة حزب حركة النداء مدفوعين
بنفس خطاب الخصومة السياسيّة تجاه حركة النهضة وكثيرا ما تتحمّل الحركة وزر كلّ ما يحدث في تونس من أحداث إرهابيّة أو مصاعب اقتصاديّة
واجتماعيّة وكثيرا ما تجد حركة النهضة نفسها في موضع الدّفاع عن خيارات حكوميّة هي موضع رفض شعبيّ بل وتتعلّق بالفضاء الجغرافي والسياسي الذي يمثّل امتدادات الحركة (أحداث الجنوب التونسي ).

يدرك كثير من المحللين توجّها عامّا يحكم بعضا من زعماء حزب حركة النداء من أجل تفريغ حركة النهضة من المضامين المؤسسة لها والداعمة لرصيدها الرمزي والوجداني كالمضمون الديني عبر حملة غلق المساجد والمدارس القرآنيّة وعزل الأئمة المنتمين "للتيّار الثوري" كما تفريغ الخطاب
الاجتماعي للحركة من مضامين العدالة بين الجهات عبر التراجع عن كثير من المشاريع التنمويّة في المناطق الداخليّة وفي حين انصبّ حرص الحركة على إظهار البعد التوافقي والتغني بشعار " التنازل من أجل المصلحة الوطنيّة" كانت حركة نداء تونس تستعيد مواقع القرار المحلي والجهوي عبر حلّ
النيابات الخصوصيّة للبلديّات وحلّ المجالس المحليّة والجهويّة للتنمية بالجهات وتعمّقت رغبة حزب حركة نداء تونس في السيطرة على كل موضع من
مواضع القرار الإداري والسياسي بعيدا عن خطاب التوافق عبر التعيينات الإداريّة وحركة السفراء والولاة والمعتمدين والمديرين العامين للدواوين
والشركات كما اتّجت الحركة داخل البرلمان إلى المصادقة على مجموعة من القوانين التي تتناقض جوهريّا مع روح الثورة وأهدافها. لقد أدرك حزب حركة نداء تونس ضيق الموضع الذي وضعت حركة النهضة فيه نفسها وأدرك تضاؤل قدرة الحركة على المناورة بعد عزلها عن بقيّة مكوّنات المعارضة داخل البرلمان وخارجه .

أكتب هذا المقال بعيد خبر إعفاء إمام الجمعة بجامع الفتح الدكتور نورالدين الخادمي وأنا كلّي يقين أنّ زعماء حزب حركة النهضة لن يجدوا من يصرخ فيهم متألمّا بتلك الحكمة القديمة "يا هؤلاء أكلنا يوم أكل الثور الأبيض" قد يكون "الثور الأبيض" الثورة نفسها وشعارها ومسارها وقد يكون تلك الأحزاب الثوريّة التي لا تزال ترفع الصوت في كلّ منبر كلّما تراءى تحريف لمكاسب الثورة ومكتسباتها وقد يكون أنصار الحركة الذين رفضوا انجرار الحركة إلى دائرة الحكم ونخشى أن يكون " الثور الأبيض المغدور" وطنا في حجم المحنة والحلم.