المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد علي العرفاوي Headshot

جمهورية عربية إسلامية.. بين أخطاء بورقيبة وأوهام قذافي

تم النشر: تم التحديث:

مع مطلع سنة 2017 تعود بنا الذاكرة إلى يوم كاد يكون مفصلياً في تاريخ تونس وليبيا على حد سواء، فيوم 12 يناير/كانون الثاني من السنة المقبلة سيصادف الذكرى 42 لإبرام اتفاقية الوحدة بين تونس وليبيا بتاريخ 12 يناير 1974.

حيث وقّع الزعيم التونسي الراحل، أو المجاهد الأكبر كما يحلو للتونسيين تسميته، والعقيد الليبي معمر القذافي، على بيان جربة، الذي يقضي بتوحيد الدولتين الجارتين تحت راية جمهورية واحدة تسمى الجمهورية العربية الإسلامية، تكون خاضعة لسلطة تنفيذية وتشريعية وقضائية ودستورية واحدة، على أن يكون بورقيبة رئيسها، والقذافي نائباً له.

وكان توقيع اتفاق الوحدة بين تونس وليبيا حدثاً هاماً ومفصلياً في تاريخ تونس آنذاك؛ نظراً للظروف التي جاء فيها إبرامه، خصوصاً أن إعلان الاتفاق جاء في ظروف غامضة وبصفة مفاجئة على أثر انعقاد مقابلة بين الزعيمين في جزيرة جربة، بعد زيارة غير مبرمجة مسبقاً من العقيد الليبي المخضرم.

فقرر الزعيمان آنذاك أن تتم المصادقة على الاتفاق بعد إقامة استفتاء شعبي بين البلدين، لكن وأمام وجود فراغ قانوني في الدستور التونسي يسمح بإجراء استفتاء من هذا النوع، فقد وقع تأجيله.

وقع في النهاية إبطال الاتفاق بعد رفضه من قِبل أبرز المفكرين والسياسيين التونسيين في تلك الحقبة، وعلى رأسهم الوزير الأول الهادي نويرة، مما دفع بورقيبة إلى العدول عن قراره، وقد أدى إبطال الاتفاق إلى توتر كبير في العلاقات بين بورقيبة والقذافي، ومن ورائهما توتر الدبلوماسية التونسية الليبية.

بورقيبة يهدف إلى إعادة خلط الأوراق

توقيع بورقيبة اتفاقية الوحدة مع ليبيا كان يهدف بالأساس إلى إيجاد توازنات في منطقة المغرب العربي حتى يخلق تكاملاً بين الإمكانات الطبيعية الليبية، ونعني بذلك الثروات البترولية وبين الثروة البشرية التونسية، بمعنى الأدمغة والمفكرين؛ لأن بورقيبة كان يعتقد جازماً أن تونس البلد الصغير من حيث إمكاناته الطبيعية لا يجب أن ينحصر بين عملاقين هما الجزائر وليبيا.

بورقيبة ينقض الاتفاق

فشل مشروع الوحدة وتراجع بورقيبة عن قراره نتيجة لتضارب الآراء في تونس بين القيادة الفاعلة والحاسمة في ذلك الوقت، خصوصاً أن الاتفاق أبرم في ظل غياب الوزير الأول الهادي نويرة الذي لم يكن موافقاً على هذه الوحدة، وعرفت الحكومة التونسية تشنجاً كبيراً آنذاك، كما عمت حالةٌ من الحيرة والاحتقان في صفوف أفراد الشعب التونسي، وهو ما دفع بورقيبة إلى التراجع عن تطبيق ما كان قد وقّع عليه مع القذافي، كما طالب بإعادة وثيقة جربة لتندلع على أثر ذلك أزمة سياسية ودبلوماسية كبرى بين البلدين، وصلت إلى حد طرد الجالية التونسية من ليبيا.

القذافي أمام صدمة كبيرة
بعد أن فوجئت ليبيا بعدول تونس عن الوحدة قرر القذافي فهم ما يجري في الجانب التونسي، وفهم الأسباب الحقيقية وراء عدول بورقيبة عن قراره، إلا أن هذا الأخير كان قد ترك تونس فجأة وغادر نحو جنيف، فما كان من القذافي إلا أن استقل طائرةً خاصة وتوجه على وجه السرعة إلى جنيف من أجل اللحاق ببورقيبة، فكان له ما أراد؛ حيث التقى بالرئيس التونسي، فأعرب له عن استنكاره الكبير وصدمته هو وكل الشعب الليبي مما حصل من إلغاء للاتفاق.

بورقيبة حاول إقناع القذافي بأن هنالك إشكاليات دستورية وقانونية قد وقفت حاجزاً أمام تفعيل الاتحاد مع ليبيا، كما شدد على ضرورة التروي من أجل بناء وحدة ناجحة، وعلى أسس صحيحة وقوية تحقق مكاسب كبرى للبلدين، وليتحد المغرب العربي ككل، إلا أن القذافي لم يقتنع بكلام بورقيبة واعتبره غير منطقي؛ ليدخل البلدان بعد ذلك في أزمة دبلوماسية عميقة استمرت لعدة سنوات، وألقت بظلالها على كل المنطقة.

عملية قفصة وفرضية الانتقام

بعد سنوات قليلة ومع تواصل الضبابية في سماء العلاقات التونسية الليبية تتوقف بنا الذاكرة مرةً أخرى عند عام 1980، وبالتحديد في مدينة قفصة جنوب غرب تونس، عندما أقدم مجموعة من المسلحين الذين نسب انتماؤهم إلى فصائل من المعارضة التونسية، بالاستيلاء على المدينة ودعوة سكانها إلى الإطاحة بالرئيس بورقيبة، وقلب نظام الحكم.

استنجدت تونس وقتها بالشقيقة الكبرى فرنسا، واستطاعت القضاء على أغلب المشاركين في العملية، وقد ألقت القبض على البعض الآخر، وقدموا للمحاكمة؛ حيث أعدم 11 منهم على الأقل، فوجهت تونس أصابع الاتهام مباشرة إلى ليبيا القذافي، خصوصاً أن من بين المتهمين في أحداث قفصة شباباً ذوي توجهات قومية ثورية تشبه الحراك السياسي الثوري الذي جاء بالقذافي للحكم سنة 1969؛ لتتأزم الأوضاع بين الجارتين على أثر هذه الحادثة أكثر فأكثر.

استعادة وثيقة جربة وعودة العلاقات

كان بورقيبة مصرّاً كثيراً على أن تعيد ليبيا لتونس وثيقة الوحدة الموقعة بين البلدين ظناً منه أنه في حالة وفاته، فإن ليبيا سوف تستخدمها لفرض الوحدة بالقوة على تونس، فدارت لقاءات ونقاشات مطولة بشأن هذه الوثيقة وأحقية تونس في استرجاعها، وفي النهاية توجّت هذه المفاوضات بموافقة العقيد الليبي على تسليم الوثيقة، فتحول بنفسه إلى تونس، وسلم الوثيقة بيده إلى يد بورقيبة الذي كان سعيداً وممتناً للقذافي على هذه الحركة التي قام بها، فكانت هذه الورقة بداية لصفحة جديدة في العلاقات التونسية - الليبية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.