المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد علي البارع Headshot

#وجدتُ_حلاً | مصباحُ لا ينطفئ

تم النشر: تم التحديث:

إن حدث واقتحم حياتك مجهول.. اتركه يفعل ما يريد.. أنت فقط تمعّن وفكّر.. ستراه يصنع الدهشة، ويرسم الإعجاب، ويبدد ظلمة الجهل.. يمنحك فكرة ومعرفة.. وحين يُكمل مهمته، أقم له نصباً تذكاريًّا اعترافاً بجميل ما صنع لك.. تماماً كما فعلتُ..

حين دخل معلمي إلى غرفة الصف كنت في الثامنة من عمري.. لا أعرف ما تعني إضاءة مصباح!
لكنني تمعنت وتأملت ماذا صنع المعلم.. ركب المواد (مصباح - وسلك كهربائي - وبطارية).. وصل السلك بالمصباح ثم وضعهما بجانب البطارية.. كتب عنوان الدرس "طريقة إضاءة مصباح كهربائي".. بدأ في الشرح النظري.. كنت منتبهاً لما يقول، فشغفي بالمعرفة كان الدافع للتعليم والبحث والاطلاع، وكان أبواي هما المشجعَين، رغم أن مجتمعي القروي ليس له اهتمام بالعلم.

قام بتوصيل الطرف الآخر للسلك بالبطارية، السلك الأحمر على القطب الموجب والسلك الأسود على القطب السالب.. ضغط على مفتاح الإنارة وأنار المصباح..
كتب المعلم تلخيص الدرس ونتائج التجربة "المصباح الكهربائي يضيء.. إذا اتصل طرفا السلك المتصل بالمصباح بقطبي البطارية الموجب والسالب.. فمن غير الممكن إنارة المصباح بقطب واحد فقط ومن المستحيل أيضاً أن يُنار بلا كهرباء".

بطريقة سلسة عرفنا معلومة جديدة، مأخوذين بالدهشة والإعجاب.. الدهشة من المصباح المنير الذي لم نألفه، ومعجبين بمعرفة المعلم، هذا جعلني أعشق العلم وأقرر تحصيله.. خرجت بعد إكمال اليوم الدراسي متجهاً للبيت بتجربة جديدة.. مجملها "في حياة كل منا نقطتا تحول.. إحداهما تدفعنا بالاتجاه الموجب، والأخرى بالاتجاه السالب.. تخلَّ عن السالبية، وتمسك جيداً بالإيجابية".

وصلتُ البيت بعد الظهيرة، وضعت الحقيبة، اتجهت صوب غرفة الطعام، تناولت العائلة طعام الغداء ثم اتجهت للمذاكرة وكتابة ما أوجبه المعلم، ظلت صورة المصباح المضاء عالقة في مخيلتي متسائلاً في أعماقي..
ما هي الأسباب التي تمنع وصول التيار الكهربائي إلى المصباح؟

حل الليل وجاء الظلام.. أسرجت أمي المصباح الزيتي، بدأت ناره تزهر بالنور.. اجتمعت الأسرة لتناول العشاء.. أجواء عائلية توحي بالانسجام.. كنت أول من قام عن المائدة، اتجهت إلى الحمام؛ لأغسل يدي وأعود للفراش.. فجأة سمعت صراخا، لم أعره اهتمامي.. أتممت الغسل وعدت إلى الغرفة، لأجد الحزن يعتلي الوجوه.. كنت أشعر بأن شيئاً ما سيحدث لكن لا أعرف ما يكون، ساد صمت قاتل.. كالذي تحدث لطالبٍ يحل معادلة ذات مجهولين، كنتُ الطالب الذي يحل معادلة المجهولين.

سمعت والدي يرمي أمي برصاصة الفراق.. كلمات -والكلمات أيضاً رصاصات- لم أعِها.. ولا أعرف أن الذي سيدفع ثمنها هو أنا! لم أكن أعرف أنني المصباح المنطفي.. كان هذا هو المجهول الثاني في معادلة حياتي، فالمجهول الأول.. معلمي، أما الثاني.. فقدان أمي..

غادرت أمي البيت وإلى الأبد.. نام طفل الثامنة تلك الليلة واهماً، والحقيقة.. كانت غائبة عنه.
أتى الصباح.. وذهبت إلى المدرسة.. صوت مجهول يحدثني: لقد أصبحت يتيماً.. أمك لن تعود بيت أبيك أبداً!
صوت آخر يرد: ربما عليك أن تتوقف عن ممارسة هذا الدور، لا تصرخ له بكل هذه الطرق الوحشية..
ثم طبطب على ظهر قلبي: عليك أن تُعلن نفسك قوياً بما يكفي لتحريك كوكب وتثبت الوجود..
أطمئنه بمحاولة البحث في ذاتي عمن يسمع صوتي ويكون له الصدى..
- لا أحد يفعل مثل أن تكون أنت الصوت والصدى.

طعم آخر سيطر على حياتي.. إحساس بالانكسار.. شعور بانتقاص الآخرين، جلست على المقعد.. دخل المعلم الصف وحضر عقلي معه، تذكرت سؤالي.. رفعت يدي مستأذناً منه بطرح سؤال..
ما الأسباب التي تمنع وصول التيار الكهربائي إلى المصباح؟!

شجّعني المعلم على السؤال.. بددت هديته كل الظلام الذي غلفني، ثم عدد الأسباب: أحياناً يصاب أحد أقطاب البطارية بالصدأ، أو يحدث انقطاع تام لشعيرات السلك المغلّف، أو احتراق مفتاح التشغيل "في لحظة الإجابة.. أدركت أن أسلاكي قُطعت.. أصبحت مصباحاً منطفئ، أيمكن أن أقضي الحياة مظلماً؟

عدت للبيت حزيناً..لا أحد.. لا شيء سوى أن أبكيها.. بكيت حتى أرتويت وشبعت، أتى أبي، وبدأ يتقيأ قائمة إرشادات يجب اتباعها، أولها عدم مقابلة أمي، ابتلعت غصة بحجم كوكب، تركني ورحل.. وحيداً بصبحة الدمع.. لقد غدوت مصباحاً منطفئاً.. أتذكر أنني لم أنم حتى الصباح الذي أتى دون إرادتي.. الصباحات تمشي على جسدي الممتلئ بالحرمان، قضيت عمراً في أزمنة الضجيج، عشت صمتاً موحشاً.

ظللت أشحن الذات بجرعات التفاؤل والأمل، في كل خيبة تطرقني وصدمة تسحبني.. تزداد روحي إرادة وعزماً في التغيير..
ما يعني التمرد على الجاذبية؟
- تجاوزنا الجدار الذي يعزل حياتنا عن النقطة التي تسمح لنا برؤية النجوم..

عند الوحدة، أفكر بصوت مسموع؛ لأسمعني.. أصرخ بالرغبات المشنوقة بالداخل.. سأستمر بالصراخ بأذن الوجود حتى أُسمِعه صوتي..
لم أنسَ طموحاتي ولم أكترث للعقبات.. مضيت نحو صناعة الذات بعيداً.. بنيتُها بأعماق الفشل، بصحبة القلم والكتاب حتى أدركت ماذا تريد الحياة مني..

كان دخولي المعهد الفني نقطة تحول مفصلية في حياتي.. في المكان الذي طمحت يوماً.. بدأتُ الطريق الذي أريد، سنتان من التعليم، وسأصبح ما أردت، لا شيء يعكر صفوي سوى العوز للمادة برغم تجاهلها، إلا أنها متطلب ضروري للتعليم، كنت أشعر بالإحراج من زملائي.. سرعان ما يتلاشى، عندما تُعرض صور الطموح والشتات الأسري صورتين غاية بالتناقض تزيداني إصراراً..

انقضت السنة الأولى بسلام.. ذهبت للإجازة أبحث عن عمل لاكتساب عائد مادي يساعدني في إكمال الدبلوم، كان الفراغ هو العمل الذي اشتغلت به.. لم أربح المال لكنني ربحت الصبر والقوة.. أتممت تعليمي، وخرجت إلى سوق العمل وعملت، صرت مهندساً لامعاً ومديراً للمعهد الذي درستُ فيه.. لقد خرجت إلى الحياة باختراع.. فكرة كفكرة الجندي المجهول، حين انتصرت أدركت أن الظفر الذي نلته واقترن باسمي لم آتِ به أنا، بل جاء به شخص يحيا بداخلي وإنما أنا أجيره الذي يستخدمني لمهماته.. ذلك هو الجندي المجهول الذي أمنحه كل يوم باقة ورد ووسام، وهو الذي يجعلني دوماً مصباحاً لا ينطفئ.