المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد علي البارع Headshot

فبراير .. مذكِّرات ثائر وثورة

تم النشر: تم التحديث:

في أحد صباحات فبراير/شباط المشمسة كان محتماً عليَّ أن أنصب خيمتي أمام بوابة جامعة صنعاء كأحد الرفقاء الذين خرجوا للمطالبة "باسترداد الحق" من فم الظلام الذي يحصد الشمس من كل حقل وسطح كلصٍ محترف.. خرجوا لاسترداد الوطن الذي جعله الطغاة مثل كنيسة مهجورة تحيط بها لحن أغنية مطرودة لا يحب سماعها أحد.. للطغاة قدرة فائقة في تحويل الأوطان إلى ثقوب سوداء تبتلع أحلام الحياة.

خرجنا.. على أنّات من ماتوا ومن باتوا خلف أسوار الآسى أسرى، خرجنا؛ لنقتل الجوع الذي قتلنا عطشى.
جميعنا شباب.. ممتلئون بالعزم والإرادة، مشحونون بالنضال والتنوير المستمرَّيْن لرفض الواقع البائس..

كما هو الحال بدول الربيع العربي هو أيضاً باليمن، إلا أنَّ وجه الاختلاف بين دول الربيع واليمن أن اليمن كان يعيش وضعاً هشَّا قبل اندلاع الثورة.. ففي أقصى الشمال قادت حركة الحوثي ذات المرجعية الشيعية مواجهات مسلحة على مدى عشر سنوات ضد الحكومة.
وفي الجنوب.. كان الحراك الذي يطالب باستقلال المنطقة يضرب حصاراً على عدن والمحافظات المجاورة لها.
وفي شرق البلاد.. كان يقود تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية معركة مسلحة بثت الرعب في أوصال المجتمع.

أما في وسط البلاد.. تحديداً في تعز التي تعد من مدن اليمن القلائل الأقل قبلية والأكثر تحرراً وثقافة فقد تدهور حالها كثيراً وعانت التهميش في عهد صالح.. الأمر الذي جعل اندلاع شرارة الثورة منها، ومعها الأمل بالعيش في كنف يمن مختلف تماماً، وانطلق أول مظاهر الاحتجاج منها والذي استمرت لمدة عام كامل، وتمثل تعز منطلق الحلم بالثورة ووقودها والمحرك لها حيث لعبت دوراً خطيراً -وما تزال- في ثورة فبراير، ومن ذلك يُفهم سبب الحصار والتجويع والعنف الذي مارسه نظام صالح وحلفاؤه أيام الثورة والثورة المضادة.

لم يكن خروجي ورفاقي بثورة مجرد ترف وليس نزهة ترفيهية، بل هو فعل إجباري.. الضرورة ذاتها هي المبرر للخروج، كمية الضغط الذي مارسه النظام على عموم الشعب وخاصة شريحة الشباب؛ ولّدَ الانفجار.

إلى جانب تهديدات القاعدة والتنظيمات الانقسامية، كان اليمن يعاني من مشكلات اجتماعية غاية في الخطورة، إذ تُعد من أشد بلدان العالم فقراً بمعدل دخل الفرد سنوياً 1140 دولاراً، بالرغم من تعدد ثرواته الطبيعية والبشرية، إذ يمثل الشباب ما نسبته الـ60% من سكانه إلا أن "المطرقة" كانت الأداة التي استخدمها "صالح" طيلة فترة حكمه الممتدة لثلاثة عقود في قتل الأمل والحلم في أرواح الشباب من أجل صناعة جيل متبلد يستطيع من خلاله العبور نحو التوريث والتمديد.. فأوجد جامعات، لكنها لا تقبل الفقراء في بلد التعليم في دستوره بالمجان.. وأنشأ أرصفة تستقبل العاطلين الجدد كل يوم، حتى التجنيد أصبح حلماً مستحيلاً.

حينما حان الوقت لم أستطع الانتظار.. أتى فبراير 2011.. حملت فكرة الذود عن الحلم، وأقررت كما الجميع بأنه يجب أن تُحقق. تحدينا الطغاة، وباسم الوطن.. عجنّا أرض الشوارع بالأمنيات، خبزناها بنار الانبعاث، رفعنا الأحلام للسماء صلاة.. زرعنا الضوء في كل شيء.. نزعنا ألغام الخوف وفجرنا بفبراير التغيير فسافرنا نحو الشمس ليصبح هذا المنكوب بنا وطناً.

خرج جموع الشعب العربي بطريقة سلمية وحضارية مطالباً بحقوقه المشروعة التي حرمته منها أنظمة الاستبداد، والشعب اليمني خرج كغيره للمطالبة بحقوقه بطريقة سلمية، والتي تعتبر ظاهرة نوعية في تاريخ اليمن.. أصبحت السلمية طريقة فعالة وعلاجاً ناجعاً ضد الظلم والتسلط، وكان التظاهر والاعتصام روح وجوهر الربيع اليمني، ويثبت مدى جديتها ونجاعتها في دحر وإسقاط الدكتاتورية، أن أعمدة الطغيان عملت على محاكاتها في جميع بلدان الربيع وفي اليمن بشكل خاص، فحشد النظام حشداً مضاداً وخرج زعيمه لإلقاء الخطابات من وسط الحشود وهو بذلك ساعد في إنجاح وانتصار الربيع، فالخروج بحد ذاته يعتبر انتصاراً بغض النظر عن التأييد أو المعارضة، بل وزاد في تعميد الخروج السلمي كنهج لنيل الحقوق في مجتمع مغمور بــ"ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة".. بذلك دخلت اليمن في 11 فبراير ضمن "دول الربيع العربي".

كانت ثورة اليمن الأكثر إهمالاً ولامبالاة من المجتمع الدولي، مقارنة بباقي دول الربيع.. فقد ترك أمرها للمحيط الإقليمي للتعامل معها، فعمل على تحجيمها واحتوائها منعاً لانعكاساتها في عمق بلدانهم، قبلت القوى السياسية في الداخل بالحل السياسي في منتصف الطريق.

- استمررنا بالجلوس في الشوارع لأكثر من سنة مملوئين بالإصرار على أخذ حقوقنا، ولأول مرة في تاريخ الشعوب.. لم يكن للقوى الدولية أي دور سوى قتل الحلم اليمني والقضاء بتاتاً على قوى الثورة.

في 21 فبراير/شباط من العام 2012 م تنحّى صالح عن السلطة إثر توقيعه صفقة تقضي بتوزيع أدوار الحكومة بين حزبه وتحالف يضم خمسة أحزاب مناصفة، بالمقابل حصل صالح وأفراد أسرته وقيادات من حزبه على حصانة كاملة وإعفاء من الملاحقة القضائية، لم يكن هذا يعني انتهاءه سياسيًّا، فاستمر في إثارة النعرات من خلال تحريض الموالين له عبر وسائل إعلامية صنعها لذلك، بالإضافة إلى خلق تحالفات مشبوهة.

- تنفسنا الصعداء عندما غاب صالح عن المشهد وشعرنا أن مثل هذا الحدث جدير بالابتهاج، احتفل أخي الجريح الذي اخترقت صدره رصاصة مجرم في جمعة الكرامة 18 مارس/آذار.. اليوم الذي أبكى الجميع موت أكثر من خمسين شهيداً.. لم يكن لهم يوماً عدو قط، لم يندم أخي، بل يتحدث عن سعادته كونه شهد الاحتجاجات في مهدها، هذا اليوم الذي أفقد صالح مقاليد الحكم وإلى الأبد.

18 مارس 2013 الذكرى الثانية لجمعة الكرامة كان موعداً لانطلاق مؤتمر الحوار الوطني الشامل للخروج بحلول جذرية للقضايا الوطنية العالقة، وقراءة جديدة لنظام الحكم، واستمر انعقاد جلسات المؤتمر حتى 25 يناير 2014م.. في الوقت الذي كانت تنعقد جلسات الحوار كانت التحركات الإقليمية المتماهية مع الغرب تجري التحضيرات لضرب أول صعود لحركة الإسلام السياسي كما حدث في مصر.

هذا التوجه أغرى الحوثيين وصالح لاستغلال الظرف الراهن والاستفادة منه، فكانوا يحاورون في صنعاء ويلقمون المدافع بالقذائف في دماج، في نهاية الأمر هُجّر من كان في دماج نتجة للحرب والذي يعتبر أول تهجير في القرن الحالي.

- السبب الذي ابتهجنا من أجله قد بدأ يتلاشى، نردد بحزن: يا للصدمة حين انحشرنا جميعاً -نحن والوطن- في حلق الزمن، حين ركلتنا الجاذبية إلى الماضي البليد، حين انتزعنا التخلف والجهل إلى أحشائه، حين خذلنا الضوء في لحظة التبجيل وتعظيم الحياة، لحظة الحب، العدالة، الحرية، النضال، لحظة كل القيم النبيلة.

جاء العام الرابع من عمر الثورة متوجاً بوثيقة الحوار التي تتضمن كل ما سعت إليه ثورة فبراير.. أصبح الحوثي وصالح أداة بيد القوى المضادة لثورات الربيع.. واستمرا في التمدد نحو صنعاء ليس من أجل إسقاطها، بل من أجل إسقاط ما أنتجته ثورة فبراير، وفي 21 سبتمبر/أيلول من نفس العام سقطت صنعاء وسيطر الحوثي على جميع الوزارات، كانت دول الخليج وفي مقدمتهم السعودية لا ترى أي قلق من ذلك.. عند نقطة اتفاق السلم والشراكة توقفت خطة ضرب قوى الثورة ورأت القوى المضادة للربيع أنها أنجزت المهمة بنجاح، لكن صالح ما زال لديه حسابات مع خصومه لم يتم تصفيتها بعد والحوثي ما زال مشروعه في طور البداية ولا بد من استغلال الظرف الراهن لتمرير هذا المشروع، ففرض الإقامة الجبرية على الحكومة والرئيس، وظهر قادة طهران على الشاشة معلنين سقوط العاصمة الرابعة في أيديهم.. هنا شعرت دول الخليج بالخطر.

مثّل سقوط صنعاء بالنسبة لنا -ثوار فبراير- لحظة حرجة.. أصبحنا بعد كارثة الكهف وظلامية الحق المقدس كأنبياء خذلهم أقوامهم فعادوا مصابين بالخيبات.. نردد بكل أسى: كيف السبيل إلى حلمٍ نحققه؟ بل كيف الطريق إلى وطن يحققنا؟

في الساعة الثانية صباحاً من يوم الخميس 26 مارس 2015 بدأت عملية عاصفة الحزم بقصف جوي كثيف على المواقع التابعة لمسلحي الحوثي صالح، وتم فيها السيطرة على الأجواء اليمنية وأعلنت منطقة محظورة .

مرت خمس سنوات من عمر الثورة، جسدي ما زال يشعر ببرودة الرصيف الذي كنت أنام فيه طيلة عام من النضال الثوري.. أشعر بالارتياح أيضاً أنني أحد ثوار ثورة فبراير التي أجبرت من حاول الالتفاف والانقضاض عليها على الاعتراف بها، بل والانتصار لها..
الدماء التي سقطت لم تذهب هدراً..
وتبقى الثورة.. ثورة حررت أرواح من ماتوا في الحياة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.