المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد الأمين عيادة Headshot

البقاء للأسوأ

تم النشر: تم التحديث:

تعتبر شركة فورد الأميركية من أقوى الشركات المصنعة للسيارات في العالم؛ حيث وصلت مشاركة الشركة في السوق العالمية للسيارات إلى نسبة 11.7 في المائة سنة 2005، وبلغت مبيعاتها في السنة الماضية 255.000 سيّارة، وهذا ليس بالأمر الغريب، فعمر الشركة يتجاوز المائة سنة (114 سنة).

إلى هنا الخبر عادي جداً، وليس فيه ما يثير العجب، لكن إذا علمت أن هذا العملاق الأميركي قد تم سحقه من طرف شركة أخرى لا يتجاوز عمرها الأربع عشرة سنة، فربما سيثير هذا بعضاً من اهتمامك.

شركة تسلا (Tesla) الأميركية ليس لها خبرة في عالم السيّارات أكثر مما سبق ذكره، إلا أنها تجاوزت نظيرتها العجوز في هذا المجال محققة قيمة سوقية بـ47 بليون دولار، بينما بلغت قيمة شركة فورد 45 بليون دولار، ضاربة بقوانين الخبرة والهيمنة على السوق عرض الحائط، وكيف لا يحدث هذا في بلد يؤمن بالمعجزات؟

الواقع أن الأمر ليس له علاقة بالإعجاز، وإنما هو نظام اقتصادي، مدعوم بنظام اجتماعي مبنيين على العدل، وتنتهجه معظم الدول المتطورة، تكون فيه قيمة الإنسان بما يملك من خبرات وكفاءات ومهارات تسهم في دفع عجلة التنمية نحو الأمام.

الاختيار مبنيّ على ما تملكه من معرفة وقدرات علمية، عكس النظام الذي تنتهجه معظم الدول العربية وكثير من دول العالم الثالث، المبني على عقلية الحفاظ على الحزب وبقائه في السلطة مهما كلف الأمر.

فإذا انتهى بك المطاف إلى أن تكون مواطناً في هذه الدول، فاعلم أن مستقبلك في التوظيف واستثمار خبراتك واستغلال مهاراتك يكون مبنياً على ما تملكه أو ما يملكه والدك من معرفة شخصيّة داخل الوسط الاجتماعي، وبناء عليه توكل إليك مهام أو مناصب ليست من حقك أو اختصاصك.

وتكون الغاية الأسمى من وراء ذلك هو ما سيناله المتواطئون في هذا الأمر من رضا وثناء من طرفك أو من طرف من ساهم بمنحك فرصة للعمل وتوليك مسؤولية أنت لست لها أهلاً، غير مهتمين بما ستقدمه من زيادة داخل المؤسسة أو تطوير لاقتصاد بلدك ووسطك الاجتماعي الذي تعيش فيه.

إن هذه العقلية وكثيراً من المشاكل الاجتماعية والاقتصادية الإقصائية لما هو ومن هو أفضل شائعة في عالمنا العربي وترجع به للخلف، وإن لم تفعل فإنها تبقيه جامداً في مكانه والركب متقدم.

كما أن هذا التفكير ما هو إلا نتيجة سوء اختيار قام به حكامنا بعد الاستقلال نتيجة للدعم الذي حصلو عليه من الحليف السوفييتي في الحرب، فكانت المكافأة بانتهاج نفس النظام الذي ينتهجه الحليف بغية إرضائه، ولو كان هذا النظام غير ناجح.

فها هي الشعوب العربية وغيرها من الذين نهجوا نفس المنهج يعانون اليوم ويلات هذه الاختيارات التي لم يكونوا فيها شركاء وإنما فرضت عليهم، ووقعوا تحت رحمة ثمن البترول المتذبذب، حال فنزويلا مثلاً، التي قلّصت أيام عمل المؤسسات الحكومية ليومين فقط للحفاظ على الكهرباء.

أعود لأمثل بشركة فورد التي تراجعت أسهمها في السوق العالمية أمام أسهم شركة تسلا (Tesla)، فالنظام الاقتصادي الذي نشأت فيه هذه الشركة يسمح بحدوث هذه الأمور، ولا توجد هيمنة كلية ومطلقة على شيء ما، وإنما السيطرة متوافقة طردياً مع قيمة ما تُقدم من خدمة، ولهذا يكون البقاء لمن يُقدم الأفضل.

مدة البقاء أو الهيمنة على الشيء لا تعني أنك الأفضل، بل تعني أن البديل الذي يقدم الأفضل لم يظهر بعد وإلى حين أن يظهر لك أن تتمتع بهيمنتك، وهذا طبعا يحدث في الدول التي يكون فيها للمواطن حرية الاختيار وللشركات حرية الاقتصاد والاستثمار ضمن نظام قانوني يضمن الحقوق.

المفارقة أن بعض الشركات العربية ما زالت مسيطرة على الأسواق العربية بنسبة تفوق الـ90 بالمائة، لا لأنها تقدم الأفضل فخدماتها مزرية جداً، ولا لحجة أن البديل لم يظهر بعد، فهناك مستثمرون محليون وأجانب يبدون رغبتهم في الدخول إلى السوق العربية وبخدمات تفوق عشرات المرات ما هو موجود ومتوافر، بيد أنّ النظام الاقتصادي المنتهج يقضي على هذا البديل قبل دخوله السوق أصلاً، وذلك بكل أنواع البيروقراطية والحواجز والاتصالات الهاتفية المعرقلة، وغيرها من وسائل العرقلة التي أبدع في ابتكارها المسؤولون، لا لشيء سوى أن ليس لهم نصيب في الأمر.

فلا يجد المواطن العربي بديلاً سوى أن يستعمل الأسوأ خيراً له من أن لا يستعمله على الإطلاق، أظن أن نفس المقارنة يمكنها أن تقع على الواقع السياسي العربي.. فالغرب يكون فيه البقاء للأفضل أما في عالمنا ونظامنا يكون البقاء للأسوأ.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.