المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد أحمد محمد Headshot

الولايات السورية المحتلة

تم النشر: تم التحديث:

جسَّد مؤتمر الأستانا الذي استضافته دولة كازاخستان برعاية تركية - روسية - أميركية لبحث استمرار وقف إطلاق النار بسوريا التطور الذي طرأ على ملف الأزمة السورية، التي انتقل زمام إدارتها من أميركا والغرب إلى محور الشرق الجديد "موسكو - أنقرة - طهران"، في ظل امتلاك العواصم الثلاث وجوداً ميدانياً كبيراً داخل الأراضي السورية، سواء بقوات عسكرية مباشرة أو مسلحين موالين وممولين منها.

اللافت في تطورات الأزمة السورية غياب الوجود العربي والإسلامي عنها، مقابل تمدد النفوذ الروسي الإيراني في أرض الشام بشكل كبير، بصورة تجعل من سوريا ولاية إيرانية تابعة لملالي إيران، أو مستعمرة سوفييتية جديدة.

القضية السورية لم تعد عربية، وبتعبير أدق فإن الدولة السورية نفسها لم تعد عربية كما كانت قبل 2011، لم تعد دمشق عاصمة عربية، وإن بدا اسمها كذلك فما هي الآن إلا إحدى إمارات الإمبراطورية الفارسية الممتدة من بغداد لبيروت، مروراً بدمشق وصنعاء.

لم تعد سوريا عربية؛ بل صارت مقاطعة روسية تستخدم لتجربة أسلحة الجيش الأحمر، ومنصة سوفييتية جديدة يستخدمها بوتين لتوجيه رسائله للدول الغربية وأميركا.. والعرب مشغولون بهمومهم وأزماتهم.

سوريا لم تعد عربية، فالحرس الثوري احتل أراضيها، وحكومة ملالي إيران سيطرت على اقتصادها، وسواحلها في قبضة الروس.. والعرب ينتظرهم مستقبل يبدو قاتماً مع الإدارة الأميركية الجديدة.

لم تعد سوريا عربية، فدستورها الجديد الذي اقترحته موسكو اغتصب عروبتها، وألغى مرجعيتها الإسلامية، وفتح الباب أمام تقسيم حدودها.. والعرب في غيهم يعمهون.

لا يتخيل أحد أن الحرب بسوريا أوشكت على الانتهاء، وأن عهداً جديداً قد يبدأ بسوريا.. قد يكون هذا الكلام صحيحاً من الناحية النظرية، ولكن على أرض الواقع ما يحدث بسوريا أسوأ من الحرب، فالمشروعات التي يتم تنفيذها تحت اسم إعادة الإعمار هي أسوأ من الحرب ذاتها.

فتحت لافتة إعادة الإعمار، يتم تغيير ديموغرافية سوريا، وخلق نسيج اجتماعي جديد يتناسب مع تطورات ما بعد الحرب، سوريا الجديدة أو المفيدة، كما سبق أن سماها الأسد في أحد حواراته، أشبه بتجمعات سكنية ليس لمؤيدي بشار من السوريين فحسب؛ بل لمؤيدي فكرة ولاية الفقيه الإيرانية، فسوريا الجديدة ليست للسوريين فقط، فالسوريون فيها أقلية من مؤيدي بشار، أما الغالبية العظمى فتتكون من الميليشيات الشيعية التي جندتها إيران من باكستان والعراق وأفغانستان؛ لتقاتل في صفوف النظام، وتم منحهم الجنسية السورية.

التغول الإيراني بسوريا لم يقتصر على الجانب العسكري فقط، فهناك اتفاقيات اقتصادية تم توقيعها بين طهران ودمشق، تجعل من الاحتلال الإيراني لسوريا أمراً واقعاً بموافقة النظام الحاكم بدمشق، فقد تم توقيع اتفاقية قرض بقيمة 3 مليارات و600 مليون دولار حصلت عليه دمشق، مقابل موافقة سوريا على دخول عشرات الشركات في مجالات مختلفة إلى الأسواق السورية،

كما فرضت إيران على المؤسسات الحكومية السورية قبول فتح جامعة المصطفى في قلب مدينة دمشق، وهي جامعة دينية معروفة بالتوجه المتطرف الذي يركز على نشر فكر ولاية الفقيه، بإشراف مباشر من ضباط الحرس الثوري والمقربين من ولي الفقيه نفسه، كما تسعى إيران إلى زيادة ما تسميه "زيارة العتبات المقدسة" من قِبل الحجاج الإيرانيين إلى دمشق.

وكشفت دراسة سورية أعدتها لجنة حقوق الإنسان بالائتلاف السوري المعارض، عن مخطط إيراني لنشر التشيع بدمشق والمدن المحيطة بها، عن طريق شراء العقارات في دمشق القديمة، ومنح الجنسية السورية للمقاتلين الشيعة من المرتزقة الذين جندتهم إيران من دول أفغانستان وباكستان والعراق ولبنان، مع عمليات ترغيب وترهيب لأصحاب العقارات والمحلات التجارية في دمشق لإجبارهم على بيع ممتلكاتهم العقارية إلى إيرانيين أو أشخاص يعملون لصالح إيران، عبر دفع مبالغ مالية عالية جداً لشراء هذه العقارات، وفي حال الرفض تتم عمليات انتقامية.

النفوذ الإيراني الكبير بسوريا يترافق مع نفوذ روسي قادر على تحديد أولويات النظام وخطواته القادمة وسياساته التي تحددها بالتبعية المصلحة الروسية والإيرانية التي تتعارض في معظمها مع مصلحة العرب.

سوريا لم تعد عربية، وأى دعم عربي للنظام الحاكم بدمشق هو دعم وتوسيع لخريطة الإمبراطورية الفارسية التي يدين لها بشار الأسد بالولاء والطاعة، لن تعود سوريا للعرب قبل أن يعود العرب أنفسهم لدينهم، ولن يعود العرب لإسلامهم ودينهم قبل أن تتوقف الحملات المشوَّهة لكل ما هو إسلامي وكل رمز ديني.

لقد أثبتت الحرب بسوريا أن المواجهة بين الفرس والعرب عقائدية تنطلق من منظور ديني تسعى فيه إيران لإعادة بناء الإمبراطورية الفارسية، واستعادة أمجادها حتى لو على جثث المسلمين السنة والعرب، وأى حديث عن توافق أو خلاف سياسي نوع من الهراء لا يعتد به.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.