المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد عادل عيسى Headshot

الثقافة إسلامية والديانة مسيحية.. عن رحلات "نضال" المكوكية في بلاد العرب

تم النشر: تم التحديث:

الاسم: نضال، المهنة: طبيب مخ وأعصاب، الجنسية: أردنية، القومية: عربية، الثقافة: إسلامية، الديانة: مسيحية.

هكذا عرَّف صديق لي نفسه، عرقلتني الصدفة السعيدة للتحاورمعه دقائق محدودة، دار بيني وبينه حوار شائق بثَّ في نفسي الأمل، وجعلني أحلِّق بمنطاد طموحاتي المتمحورة حول غد أفضل في سماء واحة السلام.

بدأ الحوار بعد ركوبي إحدى وسائل المواصلات في محافظة الإسكندرية، وفي أثناء جمع الأجرة، همس إليَّ بسؤالٍ عن ثمن الأجرة، فأجابته بالثمن، فلاحظت لهجته الشامية، واعتقدت في البداية أنه سوري الجنسية، ولكن حديثي معه دحض لي هذا التكهن، فأجابني بأنه طبيب مخ وأعصاب أردني، جاء لمصر في رحلة سياحية.

فسألته بجدية ممزوجة بابتسامة صافية: بالطبع، إنك تعرف المستشار السابق لرئيس الوزراء الأردني والباحث في مركز كارنيغي للشرق الأوسط الدكتور مروان المُعشر، فأجابني بأنه لا يعرفه ولا يتابع الأخبار السياسية في الأردن.

واستكمل حديثه أيضاً ضاحكاً، بأنه أتمَّ مراحل تعليمه وهو لا يعرف الوزير المسؤول عن المؤسسة التعليمية في الأردن!

فأردفت حديثي معه مبتسماً: ولكني أزعم أنك تعرف الكابتن محمود الجوهري.
فردَّ عليَّ متلكِّئاً: نعم، أعرفه، هو مصري الجنسية، والمدير الفني السابق لمنتخب الأردن.

حلَّ الصمت فجأةً ثواني محدودة، وظننت بداخلي أن نضال اهتمامه بالثقافة محدود للغاية، واكتراثه بالعلم والثقافة مقتصر فقط على مجال عمله، ولكن عندما استطرد حديثه قوَّض لي جميع ظنوني وتكهناتي من جديد.

انفتح نضال مرةً واحدةً للحوار، وتهكَّم بشدة على حكام المملكة الأردنية الهاشمية، وعلى حكام العديد من الدول العربية، كما تهكم أيضاً على أحوال العرب الرديئة، ولم يكن تهكُّمه بصورة عشوائية واعتباطية؛ بل كان بصورة علمية ومدروسة.

وأشار إلى أنه سافر لأكثر من دولة عربية، ولكنه قصد تحديداً دولة السودان التي عمل بها فترة محدودة، ولفت إلى أن هذه هي المرة الثانية التي أتى فيها إلى مصر، وأردف حديثه بأنه يمتلك المقدرة المادية على الإقامة بأفخم وأفضل الفنادق واستئجار سيارة مميزة ليقضي بها رحلاته، ولكن ما عوَّقه عن هذا، رغبته في الانخراط بالشعب.

فاستوقفته هنا وسألته عن رأيه في مصر والشعب المصري، قال لي إن مصر بلد رائع ومميز وشعبها ودود وظريف، ولكنه يتجشم معاناةً كافكاوية، وهنا أشار إلى أحد المواقف المستمرة التي تحدث معه، وهي محاولة استغلاله مادياً من قِبل البعض؛ لأنه ليس مواطناً مصرياً؛ بل أجنبياً، وسألته عن سبب هذا في مخيلته ووضعت له اختيارين؛ كالآتي: هل لأن انعدام الضمير بات الأمر السائد والطبيعي أم الفقر وتردي الأوضاع الاقتصادية؟

فردَّ عليَّ بإجابة ثالثة وقالي لي إن الجهل هو الذي يصنع الفقر، وسيطرة انعدام الضمير على وجه المجتمع نتيجة للفقر. واستطرد حديثه بأن أي حاكم دكتاتوري طاغية يرغب دائماً في أن يصيب شعبه بداء خبيث لا علاج له سوى العلم؛ بل إنه يمقت أي نبراس للمعرفة؛ حتى يستطيع أن يبسط ديكتاتوريته من دون مناوئة أو مقارعة من أي فرد من أفراد شعبه، وأشار أيضاً، بامتعاض، إلى أن أوضاع البلاد العربية الرديئة هي نتيجة حتمية للجهل المتغلغل في ربوع الدول العربية.

وتطرق نضال إلى الحديث عن بعض الدول التي صنعت حضارات في وقت قياسي، وأشار إلى التقدم الذي حققته دولة كندا، والتقدم المميز الذي حُقق في تركيا، والتقدُّم المبهر الذي حُقق في اليابان، والصين، وكوريا الجنوبية، وأشار أيضاً إلى ألمانيا الجديدة، وكيف تمكنت بالعمل والديمقراطية من تضميد جروحها المتقيّحة، التي سببتها النازية العنصرية والحربان العالميتان الأولى والثانية، وعمَّقها الانقسام الذي حدث بعد السقوط المخزي للنازية في النصف الأول من القرن العشرين؟

وأردف حديثه بالحديث عن أوروبا، وكيف تحولت إلى مَثل عظيم يحتذَى به في التقدم والرقي رغم سيطرة النظريات الثيوقراطية عليها منذ القدم حتى عتبة القرن العشرين؟

كان هذا الحديث قبل أن يعرِّف نفسه كما عرَّفها في السطور الأولى من هذا المكتوب؛ لذلك طلب مني أن أعرِّف له نفسي، فعرَّفت له بالفعل نفسي، وطلب مني الكد في الدراسة، وتفادي السقوط في هاوية القنوط؛ أملاً في تغير نرسمه بعِلمنا وطموحنا، وهنا تذكرت بيتاً شعرياً لأمير شعراء العصر الحديث أحمد شوقي يقول:
بالعِلمِ والمالِ يَبني النّاسُ مُلْكَهُمُ
لم يُبنَ مُلْكٌ على جهلٍ وإقلالِ

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.