المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد عادل عيسى Headshot

فرعون المجال!

تم النشر: تم التحديث:

كان مليح الوجه، نحيف الجسم، فيه براءة وشقاوة الأطفال الممزوجة بالفطنة وطيبة القلب، لم أرَه خلال السنوات الأولى من المرحلة الابتدائية إلا مثالاً للتلميذ المهذب والمجتهد الحريص على تحصيل دروسه وتلبية واجباته المدرسية.

هذا هو زميل الطفولة الذي لم ألتقِ به منذ سنوات ولم أجالسه مجالسة الأصدقاء منذ السنوات الأولى في المرحلة الابتدائية، مرت السنوات، والتقيت بزميل الطفولة من جديد، وصعقت مما رأيته عليه، ومما لحقه من تغيير جذري لشكله ولشخصيته ولأخلاقياته ولأسلوب حياته للأسوأ من وجهة نظري.

وللأسف، ها هو صديقي الآن ما زال نحيف الجسم، ولكن وجهه الوسيم تحول إلى وجه مشحوب يبدو عليه المتاعب والإرهاق والصعوبات التي أزعم أنه تكبدها خلال السنوات الماضية، وشخصيته تحولت إلى شخصية متهورة، وأخلاقياته تغيرت جذرياً من طفل علاقاته مداهنة بالجميع لشاب ناقم على المجتمع بأكمله لا يستعمل سوى بذيء الألفاظ للتعبير عن وجهة نظره مع المحيطين به وأصدقائه، وانتهج أسلوباً جديداً في الحياة أصبح شاباً مستقلاً تماماً عن أسرته متكفلاً بنفسه لا يعترف سوى بالقوة وأصبح من مغنيّي المهرجانات يلبي احتياجاته من أموال الأفراح في المناطق الشعبية.

بعد معانقة زميلي لي وتدبري في هذه التحولات التي مر بها، كان ضرورياً أن أعود بعد سنوات طويلة، وأرغب في مجالسته؛ لكي أعرف أسباب تحولاته هذه، وأثر هذه التحولات عليه.

ودار بيني وبينه حوار سألته فيه عن سنواته الماضية، فأجابني عما مر به في مراحل تعليمه الثلاث، وعن انحدار مستواه التعليمي، وعدم وجود رقابة منزلية عليه، وعن امتهانه من قبل زملاء مفتولي العضلات والأكثر سيطرة على أصدقائهم، وعدم تقدير مدرسي المرحلة الابتدائية والإعدادية لظروفه النفسية، وإهانته سواء عن طريق العقاب البدني أو عن طريق العقاب المعنوي، سواء لضعف مستواه الدراسي أو تجاوزاته الأخلاقية، دون أن يسعى أي أحد من المدرسين لاحتوائه والتقرب منه للتعرف على الصعوبات التي تواجهه.

وأكمل حديثه بما أشار عليه والده بضرورة عمله في إحدى الورش في باكورة عمره وانخراطه في وسط زملاء جدد مختلفين عنه، كان يقتضي منه أن يصبح أكثر قوة حتى لا يتعرض للسباب والإهانة، وأخذ ينخرط أكثر فأكثر حتى أصبح من الصبيان الأقوياء الذين يبسطون شخصيتهم على الآخرين، ولا يبسط أحد شخصيته عليهم، كما سرد لي إبان دخوله المدرسة الثانوية الصناعية وكيف كان عليه أن يغير أساس شخصيته حتى لا يتعرض للاعتداء من قبل الشغوفين بالعراك ومحبي البلطجة علي الزملاء والمستضعفين، بل علي الأساتذة أيضاً؛ لذلك كان عليه أن يكون فظاً في تعاملاته مع الزملاء حتى لا يستضعفه أحد.

كما تعرض بالحديث عن بداية بزوغ موهبته التي كان عليه أن يستغلها، وهي موهبة الغناء والتأليف، وأشار عليّ بضرورة سماع غنائه في أحد المهرجانات المسجلة له على هاتفه الخاص، وتفاجأت بعذوبة صوته وكلماته المتناسقة بالرغم من الموسيقى العشوائية والضجيجية وكلماته البسيطة والسائدة التي لا تتعدى جماليتها حدود خبرته المنبثقة من الشارع، ثم استطرد في الحديث عن موهبته الغنائية، وعن رغبته في أن يصبح نجماً بارزاً من نجوم المهرجانات، وعن إمكانيته لغناء الراب، وعن إمكانية تعاقده مع إحدى قنوات الغناء الشعبي،

ثم استطردت الحديث بسؤاله عما إذا كان يتعاطى المخدرات والخمور أم لا، وصعقني مرة أخرى عندما أجابني بأنه يتعاطى جميع أنواع المخدرات والمسكرات، حتى يتمكن من تأليف كلماته التي يرددها في مهرجاناته، ولكنه يرغب في أن يتوقف عنها لفترة محدودة، حتي يتمكن من التقديم في إحدى الوظائف الشاغرة في سكك الحديد؛ لأن التقديم لمثل هذه الوظائف يقتضي تحليل دم لمعرفة ما إذا كان هذا المتقدم يتعاطى أي أنواع المخدرات أم لا؛ لذلك عليه أن يتوقف عنها لفترة، تعجبت واندهشت بشدة، وهو ما دفعني إلى سؤالي عن والده ووالدته إذا كانا منفصلين أم لا،

وما صعقني للمرة الثالثة أنهما غير منفصلين، بل أيضاً هو على اتصال بهما بصورة مستمرة، ومن المؤكد أنهما يعلمان تفاصيل حياته، كان عليّ إسداء النصائح له بضرورة التوقف عن تعاطي المخدرات حتى لا يدمر نفسه وصحته، ولكنه للأسف لم يستجِب لي بل راوغ من هذه النصائح، وفي نهاية حديثي معه وبوجه مبتسم يخفي وراء ابتسامته الضيق والحزن لما وصل إليه زميل الطفولة، سألته باسماً عن اسم الشهرة الذي يشتهر به في وسط رفقائه، قال لي: فرعون المجال!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.