المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد عادل عيسى Headshot

هكذا تكوَّنت شخصيتي في الثلث الأول من عمري

تم النشر: تم التحديث:

مثلي مثل غيري من أبناء جيلي، تفتح وعيي بالتزامن مع حادثة فريدة في تاريخ مصر، وهي ثورة الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني، وتابعت أحداث الثورة بشغف شديد، وجالست شباباً يكبرونني سناً، رغبةً مني في فهم الأحداث، وكنت أتساءل دائماً: هل المقولات التي تردد في التلفاز (الحكومي) من قِبَل الأبواق الإعلامية الموالية للرئيس السابق حسني مبارك على صواب (بأن الشباب والشابات المرددين عبارات مناوئة لحكم الرئيس السابق هم ممولون من قِبَل جهات أجنبية أم أن هؤلاء الشباب أحرار كما ينتابني ويسيطر علي هذا الشعور)، ولأنني كنت في المرحلة الإعدادية آنذاك، ولم أكمل عامي الرابع عشر، كنت في حالة من الإعجاب بهؤلاء الشباب مرةً، وكنت في حالة من التخوف من مغبة تظاهراتهم مرةً أخرى.

على منوال والدي العامل البسيط الذي لا صلة له بالسياسة سوى متابعته الأخبار المدرجة في النشرات اليومية من على التلفاز (الحكومي)، ولكني اندهشت منه عندما رأيته في إحدى المرات يبحث على قنوات الجزيرة والعربية آنذاك، ورغم بساطة أسرتي التي لا صلة لها بالسياسة سوى متابعة الأخبار المحلية وأحياناً الإقليمية، أضفت متابعتها المستمرة لأخبار الأراضي المحتلة (فلسطين) على شخصيتي ميولاً قومية منذ نعومة أظافري.

نعم.. أتذكر الحرب على غزة في عام 2008م وأنا في نهاية المرحلة الابتدائية وكيف كنت في غاية التأثر بها؟ وكيف كنت شغوفاً بتدوين الأخبار حتى أسردها خلال فقرة الأخبار في الإذاعة المدرسية؟ وأتذكر فاجعتي من كلمات إحدى الأمهات الفلسطينيات المكلومات ودعائها على الرئيس الأسبق مبارك بقولها (حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا حسني مبارك)، وذلك لإغلاق معبر رفح في أوجه الجرحى الفلسطينيين، وأتذكر شغفي المستمر للحديث مع زملائي وأساتذتي عن الأوضاع في غزة، وأتذكر أيضاً إعدام الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين في أول أيام عيد الأضحى، وكيف اعتبرت والدتي أن ما حدث هو إهانة بالغة للعرب وللمسلمين في عيدهم؟ وأتذكر أيضاً العديد من الأحداث الأخرى التي قد تطول الكلمات لكي تسردها كاملة.

ورغم المتابعات سالفة الذكر للأوضاع المستمرة في بلاد العرب لم يترجم هذا النشاط بمشاركة حية في أي حراك؛ لذلك كانت الصلة بالسياسة محدودة للغاية، ولأنني أيضاً من بيئة ريفية لم أتمكن من متابعة أحداث ثورة يناير/كانون الثاني إلا من خلال شاشات التلفاز، ورغم قلق أسرتي من الأحداث، شاهدت الفرح في عيون والدي بعد إلقاء خطاب التنحي من قِبَل نائب رئيس الجمهورية عمر سليمان آنذاك، وشاهدت دموع والدتي على شهداء ثورة يناير/كانون الثاني، وبعد خطاب التنحي زادت متابعتي للأخبار السياسية، وزادت رغبتي في الحديث في الأمور السياسية مع الأكبر مني سناً من الفصائل والانتماءات المختلفة، وكنت على المستوى الفكري غير مستقر على الإطلاق، تارة مقتنع بأفكار المؤيدين لفصيل معين، وتارة أخرى مقتنع بأفكار فصيل آخر أفكاره مجافية تماماً لأفكار الفصيل الأول، بين هذا وذاك يزداد وعيي، وانتقلت إلى المرحلة الثانوية وازداد وعيي وحديثي في الأمور السياسية مع أقراني من الطلاب بتوجهاتهم السياسية المختلفة.

وكنت مثلي مثل العديد من المراهقين في هذا السن شغوفاً بالرياضة؛ لذلك حرصت على توطيد صلة الصداقة بأعضاء من الألتراس، كانوا أكبر منّي سناً، ورغم مجالساتي المستمرة معهم لم أحضر يوماً معهم أي مباراة، ولكني كنت على صِلة مستمرة بهم، وفي وسط ذلك انضممت في هذه المرحلة لحزب الدستور بشكل غير رسمي، وأنا في السادسة عشرة من عمري، ومن باب المصالحة مع نفسي كنت في هذه السن في حالة من التهور، وكانت شخصيتي مصبوغة بالرومانتيكية السياسية التي تحولت إلى دوغماتية، وخلال هذه الفترة جالست مراراً أعضاء من جماعة الإخوان المسلمين، وكنت أتجادل معهم بصورة مستمرة، وكنت مناوئاً لسياسات الرئيس السابق محمد مرسي؛ لذلك كنت مؤيداً للخروج في 30 يونيو/حزيران 2013م،

وشاركت في توقيع نفر قليل على استمارة تمرد، ولكني سرعان ما فزعت من حملة الاعتقالات المتوحشة التي طالت جميع أعضاء اليمين الديني بعد انقلاب 3 يوليو/يوليو 2013م، وفزعت من المجازر التي تعرض لها أعضاء جماعة الإخوان المسلمين، وكنت في حيرة وأتساءل: كيف أستطيع أن أدرأ الضرر عنهم؛ لذلك ساندت الأستاذ حمدين صباحي في انتخابات 2014م ونزلت مع حملته في سلسلة بشرية لتدعيمه أمام أحد أقسام الشرطة، أملاً في التخلص من الديكتاتور العسكري بوسيلة سلمية، ولكن الخطاب الديماغوجي والأبواق الإعلامية الموالية للشعبوية الحاكمة لمصر الآن استطاعت من إقناع المصريين بقدرات الشعبوية الحاكمة لمصر الآن بأنها هي الوحيدة القادرة على العبور بسفينة الوطن إلى بر الأمان،

بعد انتصار الشعبوية، كان عليّ الجلوس مع نفسي ومراجعة مواقفي التي كانت مضطربة وغير مستقرة، والآن تدنو عشريناتي، وأتصور أننني أفضل حالاً الآن؛ لأنني استطعت أن أحدد وجهاتي المستقبلية والمهنية وأيديولوجيتي السياسية.

أنا الآن أدرس العلوم القانونية، وديمقراطي، لا أنتمي لأي حزب سياسي، أقرأ باستمرار، وأكتب أيضاً باستمرارية، وأرفض وأشجب ما يتعرض له أعضاء جماعة الإخوان المسلمين من شتى أنواع القمع، وأرفض جميع الادعاءات الكاذبة التي تتعرض لها جماعة الإخوان المسلمين؛ لأن هذا الفصيل ليس بالفصيل الملائكي الذي لا يخطئ كما يردد من قبل مؤيديه، وليس بالفصيل الشيطاني حتى يعول عليه أي كارثة تحدث في البلاد، كما يردد من قبل كارهيه، جماعة الإخوان المسلمين هي مثلها مثل أي فصيل سياسي من الجائز أن يخطئ، ومن الجائز أن يصيب.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.