المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد عادل عيسى Headshot

عن أحوال مصر الكنانة

تم النشر: تم التحديث:

للأسف، انطلت علينا الشعبوية الجديدة التي تتماثل مع الكاريزماتية الناصرية في خمسينات وستينات القرن العشرين.

نعم هكذا بخطابات معسولة تمكنت الشعبوية الجديدة من فرض صولتها على أرجاء البلاد من بعد أحداث 3 يوليو/تموز 2013م، التي أدت بصورة صريحة إلى الافتئات باليمين الديني (حزب الحرية والعدالة) على مدى شهور طويلة بلا هوادة بادعاءات الحرب على الإرهاب، وبترويج من وسائل الإعلام أحادية الاتجاه (الأبواق الإعلامية المؤيدة للشعبوية الجديدة)، وبهذه المبررات والادعاءات سالفة الذكر ارتكبت جرائم مفزعة في حق اليمين الديني، بدايةً بأحداث الحرس الجمهوري، والمنصة، ورمسيس، ورابعة والنهضة، ونهايةً بتوجيه الضربات الأمنية إلى التظاهرات الطلابية في الجامعات المصرية المختلفة، وأسفر عما ذكر آنفاً سقوط العديد من الضحايا واعتقال الآلاف من قيادات وأعضاء اليمين الديني (الإخوان المسلمون - السلفيون)، وفقد اليمين الديني قاعدته الجماهيرية المنظمة والعريضة وقدرته المعتادة على الحشد، وأدرج جماعة الإخوان المسلمين على قوائم الإرهاب.

وبدون توافق وبصورة استئثارية تم تشكيل لجنة الخمسين مكونة من القوى المدنية لصياغة دستور جديد لتنظيم السلطات العامة في البلاد (دستور 2014م)، بعدما تم تعطيل (دستور 2012 م)، الذي تمت صياغته بصورة استئثارية من قِبل نخب اليمين الديني آنذاك.

بعد الانتهاء من صياغة دستور 2014م، أجريت الانتخابات الرئاسية 2014م، وتبوأت الشعبوية الجديدة رأس السلطة التنفيذية بخطاب ديماغوجي وبمساعدة وترويج الآلة الإعلامية الشوفينية التي اضطلعت بإقناع المواطنين والمواطنات بضرورة انتخاب الشعبوية الجديدة، وذلك لأنها هي الأقدر على حفظ الأمن والقضاء على الجماعات الإرهابية التكفيرية، وحمل راية الديمقراطية والحرية والتحرر من ربقة الديون الاقتصادية وغيرها من الآمال.

بيد أنه لا يشترط أن تصوغ الشعبوية الجديدة برنامجاً انتخابياً، وذلك للظروف الحرجة التي تمر بها البلاد، ودخولها حرباً جديدة من حروب الجيل الرابع في سيناء قد تفوق خطورتها الحرب التي كانت محتدمة في مطلع التسعينات مع الجماعات الإسلامية الراديكالية.

بالفعل، استطاعت الشعبوية الجديدة أن تمتطي صهوة الحكم في الدولة، بمباركة من الآلة الإعلامية المتملقة لها ودول الخليج الأوتوقراطية، وبمباركة العديد من المصريين المشبعين بالثقة والأمل الذي بثته فيهم الخطابات المعسولة والبروباغندا الإعلامية الموالية للدولة المصرية الجديدة، على أن هذه السلطة هي الوحيدة القادرة على العبور بسفينة الوطن إلى بر الأمان.

بعد اعتلاء الشعبوية الجديدة السلطة، أجريت انتخابات مجلس النواب، وحصل ائتلاف دعم مصر على أغلبية الثلثين، وقد عكر صفو الانتخابات شهادة الدكتور حازم عبد العظيم، الذي أشار في أحد المنشورات الخاصة به على صفحته على موقع التواصل الاجتماعي (الفيسبوك)، إلى أن قائمة دعم مصر تكونت بالتنسيق مع جهات مخباراتية، وبذلك تبين كيف تبسط السلطة التنفيذية هيمنتها على السلطة التشريعية، وذلك من خلال ائتلاف دعم مصر الحاصل على الأغلبية القانونية اللازمة لتمرير أي قانون، بناء على نصوص دستور 2014م، وبعد اكتمال منظومة الدولة، بدأت تتبلور سياسات الدولة التي ضربت بجميع آمال المصريين عرض الحائط بسياسات تعصف بالحريات والعدالة الاجتماعية، ومبنية على المشاريع القومية التي يروج لها من قِبل الآلة الإعلامية آناء الليل وأطراف النهار، وإزاء هذه المشاريع، والتوظيف الخاطئ للأموال، تتكبد الطبقة الوسطى مغبة هذا، وخاصة في ظل تردي الخدمات الصحية والتعليمية، وارتفاع الأسعار.

وبدلاً من أن تسعى الدولة المصرية الجديدة للتصالح مع ما تبقى من اليمين الديني المعتدل مرر قانون الإرهاب الذي اضطلع بشرعنة الانتهاكات في حق اليمين الديني، والذي به العديد من العوار الدستوري، وبناء على ذلك يتعرض نخب اليمين الديني على نحو مُطرد إلى انتهاكات متواترة لا إنسانية، والتي تتمثل في الحرمان من الزيارة والعلاج وغيرها، وبذلك دحضت الشعبوية الجديدة أي فرصة للتصالح مع اليمين الديني.

وعلى منوال القمع الذي يتعرض له اليمين الديني، لحق بهم أعضاء القوى المدنية من النشطاء والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني المناوئين لسياسات الشعبوية الجديدة، وبصورة تدريجية تم إغلاق المجال العام تماماً من خلال السطوة الأمنية المُحكمة التي فرضتها الشعبوية الجديدة على منظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية، وذلك من خلال قانون الجمعيات الأهلية الذي مرر في نوفمبر/تشرين الثاني 2016م، وأصدر في يونيو/حزيران 2017م، وبهذه الإجراءات التي نفذتها الشعبوية الجديدة استطاعت أن تضطلع بحصار المجتمع المدني بصورة مُحكمة.

في ظل الحصار المفروض على المجتمع المدني، تتزايد العمليات الإرهابية، وعجزت الشعبوية الجديدة باستراتيجيتها الأمنية القائمة على الحل الأمني فقط عن اجتثاث الجماعات الإرهابية، بل يتساقط بصورة مستمرة على أثر هذه العمليات الدموية العديد من المصريين والمصريات.

ورغم استمرار الإرهاب في ممارسة غايته المجنونة من سفك الدماء لم تعترف الشعبوية الجديدة بفشل استراتيجيتها الأمنية، ولم تقر بأن قراراتها البيروقراطية بمبررات شوفينية لن تجدي نفعاً على الإطلاق، ولم تسعَ إلى البحث عن حلول جديدة، تلك الحلول التي لن تأتي إلا عن طريق فتح باب المناقشات للمثقفين والمفكرين، ومجابهة الإرهاب فكراً بفكر، وتخويل الشباب الفرصة للتعبير عن آرائهم دون تعقب من قِبل الأجهزة الأمنية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.