المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد أبو رضوان  Headshot

التجارة والسياسة... شهر عسل أو حياة بصل؟!

تم النشر: تم التحديث:

يُقال إن اعظم نكاح هو نكاح السياسة بالتجارة، ويقال إن 9 أعشار التجارة سياسة.

لكن ماذا يقول الواقع هنا في عالمنا العربي؟

أستطيع أن أروي لكم عشرات الوقائع التي لا تزال قائمة أو التي كانت عن شواهد من الحالة العربية "العشوائية" حول تجار بلغت حساباتهم الثماني خانات بسبب صلة قرابة أو علاقة صداقة أو موهبة تملق واستنفاع لعدد من الساسة المؤثرين وصناع القرار فأحدهم امتلك أرضاً لأحد أكبر فنادق مدينته وأرض أخرى لسوق تجاري كبير بهبة من صاحب سمو، وآخر عاش النصف الأول من حياته جندياً ينتهي راتبه قبل نهاية نصف الشهر وعاش النصف الثاني من حياته "ومازال" يملك أسطولاً ضخماً من شاحنات النقل الثقيل وعدداً لا بأس به من العقارات بعد أن أصبح جليس حاكم المدينة، وأحدهم اقترض من أحد البنوك 50 مليون دولار بالحد الأدنى من الفوائد وبضمان منزل متهالك لا يساوي حتى مليون واحد لأن أحد صناع القرار على علاقة "شرعية" بإحدى قريباته وأذكر أن أحدهم عرض علي شخصياً الوساطة لصفقة بيع ترخيص مصنع إسمنت في إحدى الدول العربية بقيمة 50 مليون دولار علماً أن التراخيص كانت ممنوعة في ذلك الوقت وصاحبنا وحده من استطاع أن يحصل على هذا الترخيص رغم المنع.

في المقابل ومن زاوية أو أخرى أو بالأصح من عالم آخر ألتقي دورياً بأشخاص لديهم أفكار حالمة لمشروعات رائعة ترتطم بواقع التخبط البيروقراطي المعقد في الأجهزة الحكومية والذي ينتج إما عن سوء إدارة الساسة للدول وإصرارهم على ربط الإدارة بالسياسة أو عن استراتيجية سياسية قديمة تهدف إلى جعل الشعوب مشغولة بتيسير أمورها اليومية حتى لا يرتفع سقف مطالباتها. وآخرون تتلاشى أحلامهم العظيمة بسبب عدم قدرتهم على تمويل هذه المشروعات لأن أوطانهم لا تؤمن لهم فرصاً عادلة متكافئة مع أبناء "طويلين العمر" وأصحاب الفخامة والعطوفة. والبعض يتعثر مبكراً بسبب عدم قدرته على اتمام تصميم ودراسة مشروعه "أو اختراعه غالباً" لانعدام وجود معامل علمية أو إدارية متخصصة أو عدم وجود بعض الأدوات الهامة في تحويل المشروع من فكرة إلى تطبيق وهو ما يجب أن توجده الدولة من خلال الجامعات والمعاهد العلمية المتخصصة والجميع يعرف أن مسالخ الخراف والعجول لدينا في العالم العربي أفضل من 80% من جامعاتنا وسائر أجهزة التعليم العالي.

نعم يا سادة إنها السياسة التي مكنت القلة لبناء ثروات على حساب أموال وحقوق الشعوب التي لا تستطيع أن تصل لهذه الاستثناءات ولا تستطيع ان تصل من خلال الدورات المستندية النظامية ويبدوا أنها لن تستطيع أن تصل ولا حتى بالأحلام.

في كتاب صدر أخيراً عن معهد بيترسون الأميركي للاقتصاد الدولي يبحث في بيئة العمل التجاري في العالم العربي تقول المؤلفة كارولين فروند "هناك طفرة في مؤسسي الشركات الذين يتحولون إلى مليارديرية في كل سوق ناشئ بالعالم باستثناء المنطقة العربية" كما ذكرت أن نسبة الأثرياء بالوراثة تصل الى 53% في عالمنا العربي وهي النسبة الأعلى عالمياً وأن المنطقة العربية تتميز بوفرة "الأثرياء الذين كدسوا ثرواتهم بطرق أقل كدحاً" بحسب وصف المؤلفة.

ولتعلم مقدار ما تصنعه السياسة العربية من عراقيل في عالم التجارة راجع التقرير الإقليمي السنوي لإدارة الأعمال في العالم العربي والمختص بقياس سهولة ممارسة الأعمال التجارية والذي يؤكد بأنها ليست سهلة أبداً بل تكاد تكون الأصعب في كثير من الدول العربية فأنت لن تجد ولا دولة عربية واحدة في قائمة العشرين دولة الأولى عالميا وفقط 5 دول عربية في قائمة الخمسين الأسهل تقودنا الإمارات في ذلك بالمرتبة ال 23 عالميا وبقية دول الخليج ما عدا الكويت التي تراجعت للمرتبة 104 عالميا والتي يحتاج المواطن فيها التعامل مع 11 جهة حكومية حتى يؤسس عمله التجاري وبمتوسط 6 جهات حكومية يجب مراجعتها في باقي الدول العربية وجهة واحدة فقط لاغير في نيوزلاند، بالطبع كل هذه العراقيل على عامة الشعب وحدهم أما "طويلين العمر" وأصحاب الجناب المهاب فأعتقد ان مقاييسهم تختلف قليلاً عنا فهم يقيسون سهولة معاملة ما من صعوبتها بعدد "فناجيل" القهوة الواجب شربها بانتظار إنهاء المعاملة.

إن الأمر الأكثر إيلاما لي في كل ما سبق أن المشروعات العالقة بين قلة حيلة اصحابها وبين أنظمة سياسية تحترف صناعة الفشل "بقصد أو من دون قصد" هي المشروعات التي تتفق مع أهداف خطط التنمية الاقتصادية العربية ومع الشعارات التي يرددها الساسة للخروج من المأزق الاقتصادي الحالي فهذه المشروعات والأفكار هي العمود الفقري لاقتصاد المعرفة الذي أصبح ضرورة اقتصادية عالمية وهو ذاته الذي حمى اقتصادات دول كثيرة من السقوط الكبير في نكسة 2008 الاقتصادية بل هو ذاته يعتبر حالياً السبب الرئيسي في سيادة أمريكا لدول العالم سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، وهذه المشروعات هي ذاتها ريادة الأعمال... الموضة الأحدث التي يغنيها ساستنا ليل نهار دون أن توجد خطة عربية واحدة جادة تستطيع أن توفر البنية التحتية للبيئة الاقتصادية الملائمة لنمو رواد الأعمال.

وفي ذات الوقت فإن الأثرياء العرب بعيدون تماماً عن هذه الأهداف التنموية الضرورية ففي مسح 2015 لقطاعات عمل الأثرياء العرب أنت لن تجد ثرياً عربياً واحداً يستثمر أمواله في صناعة تعليم أفضل أو في مجال تطوير القطاع الصحي أو التقنيات الدوائية أو تنشيط السياحة المحلية وفقط 4 أثرياء يعملون بالصناعة من قائمة الخمسين أعلى ثراءً.

يبدو أنها شهور عسل لكل تاجر يبيع نفسه لشياطين السياسة وحيوات من البصل لكل من يسعى للتجارة بعيداً عن السياسة.