المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد أبو قمر Headshot

تبولوا على معبر رفح

تم النشر: تم التحديث:

يطير صديقي بخياله الى رحلة مستقبلية تبدأ من ميناء غزة المرتقب تجاه مدينة لارنكا القبرصية، ينطلق عقبها الى "بلاد الله" ويتحرر من القيود المفروضة على مغادرته غزة منذ ما يزيد عن ثماني سنوات.

يتخطى الشاب بأحلامه الواقع المر الذي يعصف بغزة المحاصرة، ويتجاوز كل السواد القاتم الذي تلونت به البوابة الحدودية على معبر رفح الفاصل بين غزة والأراضي المصرية.

تلك الاحلام المؤجلة في غزة تتردد على اذهان سكانها بالتزامن مع الحديث عن حراك تقوده أطراف أوروبية لتحريك ملف التهدئة بين الفصائل الفلسطينية وقوات الاحتلال، لتثبيت وقف إطلاق النار مقابل انشاء ميناء عائم قبالة غزة، وتسهيل حركة مرور السلع عبر المعابر التي يسيطر عليها الاحتلال الإسرائيلي.
ينظر صديقي الى الحل الذي يبدو سيطول انتظاره، على أنه الفرصة الوحيدة لحرية تحركه، بعدما اضطر للعودة لغزة أكثر من مرة بعدما رفض الجانب المصري مروره عبر أراضيها.

أكثر ما آلم صديقي حرمانه من أداء مناسك العمرة خلال الحرب المسعورة على غزة العام الماضي، على إثر رفضه من قبل الاشقاء المصريين.
حال هذا الشاب يعيشه أكثر من عشرين ألف مسافر مدرجة أسماؤهم على كشوفات السفر لدى وزارة الداخلية، ما بين مرضى يكتمون آهاتهم، وطلبة يكاد العام الدراسي يبدأ دونهم، وأصحاب أعمال واقامات يحملون جوازاتهم في انتظار أن يؤذن للبوابة السوداء أن تفتح.
ولم تفتح أبواب معبر رفح منذ بداية العام الحالي الذي شارف على الانتهاء، سوى تسعة عشر يوما فقط، الى جانب بعض الساعات الاستثنائية لإدخال جثث الموتى الغزيين الذين فارقوا الحياة خارج حدود القطاع.

وعندما فتح معبر رفح أبوابه لأهل القطاع مطلع الشهر الماضي، أخفى خلفه أربعة من شباب غزة تم اختطافهم فور مغادرتهم وهم في طريقهم لإكمال دراستهم، ولا زالت قضيتهم عالقة ولم تعلن أي جهة عن مصيرهم، لتكتمل فصول المعاناة.

وطالما احتفظت مصر بمعبر رفح كمنفذ عربي وحيد أمام الغزيين، في ظل احكام قبضة الاحتلال على بقية المعابر، مما زاد الغصة العالقة في حلق أهل غزة.
لذا قرر صديقي أنه فور افتتاح الميناء وخروجه في أول رحلة بحرية وتحرره من قيود حركته، سيعود خصيصا لزيارة معبر رفح ويتبول على البوابة السوداء، ويلقي شريط المشاهد المؤلمة الذي علق بذاكرته من احتضار المرضى وهم ينتظرون أن تفتح البوابة السوداء ليتلقوا علاجهم، وصرخات الأطفال الرضع في أحضان امهاتهم اللواتي يخرجن من ساعات الصباح الأولى علهن يغادرن القطاع، حينها فقط سيصرخ بأعلى صوته ويقول " لن أعد مرجعا بعد اليوم".
وحتى تأتي تلك اللحظة ستبقى الأحلام مؤجلة في غزة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع