المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد أبو قمر Headshot

غزة تتعاطى فياغرا سياسية

تم النشر: تم التحديث:

جرعة واحدة من الفياغرا السياسية المتداولة في غزة، تمنحك مزيدًا من النشاط والتفكير في مشكلات العالم وهمومه، وتنبهك لما ستؤول إليه الأوضاع مستقبلًا.

وكأن الغزيين يتعاطون أقراصًا من تلك الفياغرا غير المحسوسة، التي ترفع لديهم درجة الاهتمام بالأوضاع الميدانية، رغم أنهم يعيشون تحت ظروف معقدة، من المفترض أن تلهيهم أزماتهم اليومية عن مراقبة دهاليز السياسة.

في كل مكان من القطاع الصغير تتسلل الى أذنيك آراء المواطنين وتحليلاتهم للأوضاع الراهنة، وعندما يخيم الركود على الأوضاع السياسية في البلاد حينها لا ضير من مناقشة تداعيات ما يدور في مصر وسوريا واليمن.

يستيقظ الناس في غزة على وقع متابعة ملفات مفتوحة على الساحة الفلسطينية (الكهرباء-معبر رفح-إعادة الاعمار-التهدئة-مشاكل الموظفين ورواتبهم)، وينطلقون على اختلاف أعمارهم ودرجاتهم التعليمية بآراء وتحليلات، كل يشخص من خلالها الواقع والمستقبل.

وعلى الرغم من أنهم يتلمسون أي بريق أمل يخرجهم من الواقع القاتم الذي يحيونه في ظل زيادة الحديث عن اتفاق تهدئة محتمل مع الاحتلال، وتزايد تفاؤل السياسيين بأن غزة ستجني ثمار إنجازاتها التي حققتها في حرب صيف 2014، إلا إن تفاصيل الحياة اليومية الثقيلة تقتل بداخلهم تلك الأحلام.

في سيارة أجرة كسر السائق الصمت بحديثه عن انفراجة قريبة تتكلل بإنشاء ميناء بغزة، انغمس من يقلهم بالتعليق بين متفائل ومتشائم، ودخلوا في دوامة أزمات غزة المتسارعة، وفي النهاية تركوا الباب مفتوحًا أمام الأيام القادمة، لتكشف عما ينتظر غزة ومن حولها.

وبمقارنة بين اهتمامات الشاب الغزي، ونظرائه من الدول العربية، تغلب الاهتمامات السياسية على حياة المحاصرين هنا، وجل حديثهم عن العلاقة الفلسطينية الداخلية وانعكاس التطورات المتسارعة في المنطقة عليهم، فيما يبدو أن الشاب العربي ينأى بنفسه عن تلك التفاصيل ويلتفت لمتابعة وتحقيق طموحاته ورغباته.

المنشطات السياسية التي يتعاطاها الغزيين لازمتهم منذ ولادتهم، فجميع من يحيا في القطاع إما بات كهلًا بعدما عاش النكبة عام 48 وتفاصيلها، وجزء ممن تجاوزت أعمارهم العقود الخمسة تجرع آلام النكسة عام 67، ومن ثم لحق بهم جيل الانتفاضة الأولى الذي عاش يومياتها عام 87، وتبعها من شب على اتفاقية أوسلو عام 93، ولم ينته الأمر بمن ولد بالتزامن مع الانتفاضة الثانية مطلع الألفية الثالثة، وبات الآن مراهقًا سياسيًّا لم يتجاوز العشرين من عمره.

تلك المعطيات التي خرجوا معها إلى النور انعكست على طبيعة التفكير الغزي الذي بات يخشى على غيره من أن يتجرع ذات الكأس التي ما زالت مرارته في فمهم منذ ما يقرب من سبعين عامًا.

ويغمر بعض الغزيين تفكير عكسي يتساءلون من خلاله، عن سر ارتباطهم بغيرهم، وتحملهم لأعباء ما يدور في المنطقة، ويتحسسون أخبارها وآلامها، رغم أنهم يخوضون غمار الصراع منفردين؟

لكن ذلك التفكير سرعان ما يتراجع أمام إعادة تنشيط مفعول "الفياغرا السياسية" التي يضطرون لتعاطيها رغمًا عنهم بسبب المعضلات التي يحيونها.

ملحوظة:

المقالات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع