المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد عبدالله الصباغ Headshot

نظام مات بالتسمُّم الذاتي

تم النشر: تم التحديث:

في الذكرى الرابعة لحدوث "انقلاب يوليو الثاني" الذي وقع في مصر في 3 يوليو/تموز 2013 فقد "مات النظام" الذي صنع الانقلاب، بالتسمم الذاتي؛ الناتج عن "فساد السلطة" بحكم طبيعة عناصر وشخوص هذه السلطة، وبفعل عجز النظام عن معالجة أزمات الحكم. ولقد أمات "نظام السيسي" أيضاً: "جرعة الديكتاتورية الزائدة" التي تعاطاها رئيس النظام وهو يمسك بزمام الحكم.

لقد حدث الموت في بطء؛ جعل البعض يظن أن النظام قابل للبقاء على قيد الحياة ولكن عملية موت النظام؛ استغرقت من الوقت ما كان يكفي فقط لكي يصل "سم الوفاة" إلى كل أجهزة السلطة. ويمكن القول من خلال تقرير الطب الشرعي "السياسي" للحالة المصرية فيما يتعلق بأسباب موت نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي: إن الوفاة ناتجة عن "التسمم الذاتي بفعل سم الديكتاتورية والجهل بممارسة السلطة؛ ممارسة نزيهة".

والصورة العامة الآن: أن "النظام" قد مات وانتهى من حيث عدم قدرة أدواته على معالجة أي مأزق ولو بدا بسيطاً، وانتهى لأنه صنع كوارث في حياة المصريين لأجيال عديدة لاحقة. والنظام انتهى من حيث إقدامه على إجاعة الملايين من المصريين بحجة تحقيق الإصلاح الاقتصادي المؤجل بل أن بقاء النظام على قيد الحياة سوف يكون مقابل فقد الكثيرين من المصريين لحياتهم في معادلة يمكن صوغها في كلمات "النظام في مقابل حياة الشعب". لقد كان السيسي رئيس الانقلاب ورئيس النظام الذي استولى على السلطة بعد الانقلاب؛ هو نفسه من عجل بموت النظام؛ فمثلاً بعدما أصر على تدبيره بشأن التنازل عن الجزر المصرية "تيران وصنافير" فإنه لم يوسع المعارضة المدنية لحكمه ونظامه فقط بل أنه أعطى مشروعية للعنف المضاد للسلطة؛ وأعطى المشروعية للثورة الشعبية.

نظام السيسي مات بعدما حصل صراع أجهزة النظام ذاتها فيما بينها، ومن حيث اقتصاره في التعاون معه على "أهل الثقة الأمنية وأهل الثروة المشكوك في كيفية تكوينها" وحين بدا واضحاً عجز الإعلام التابع لسلطة النظام وأجهزته الأمنية عن معالجة الوضع الذي أصبح عليه نظام الحكم: أمام الشعب المصري وانتهى من حيث أصبح المعسكر الذي يساند السلطة أقل بكثير من المعسكر الذي يرغب في رحيلها العاجل دون تأخير.
والنظام الحالي في مصر مات؛ عندما لم يدرك أنه استقطب "نخبة فاسدة كخميرة متعفنة" وعجن بها كل "عجين النظام" وكل الخبز الذي في متناول النظام وفي متناول الشعب.

ونظام السيسي انتهى رغم تأميم الصحافة والإعلام لصالحه ورغم وضع مكرم محمد أحمد "شاويش الأمن المتقاعد" ومجموعة "الأمنيين" على رأس المجلس الأعلى للإعلام والمجلس القومي للصحافة والمجلس القومي للإعلام. ونظام السيسي "مات" رغم وجود المُطيع "علي عبد العال" على رأس "مجلس الشعب" ومعه "التركيبة الخاصة من الأعضاء". ونظام السيسي انتهي رغم "قوانين الطوارئ" والمحاولات العبثية لحجب المواقع الإلكترونية الإخبارية كلها عن إطلاع المصريين. و"النظام مات" لعدم قدرته على الإدراك والاستيعاب؛ فهو يريد المواطنين "قوالب أمنية" مصنوعة يصبها ويصنعها "أمنيو النظام" ولجانه الإلكترونية وكتائبه الإعلامية.

ونظام السيسي مات؛ لعدم إدراك القائمين عليه أن ما سبق من: التنازل عن الجزر المصرية للمشروع الصهيوني الذي يسعى إلى إقامة الشرق الأوسط "الخاضع" تماماً للغرب والطريقة التحايلية الهادمة لمؤسسات الحكم التي تم استخدامها لإتمام هذا التنازل وما سيعقبه من تنازلات أخرى في أماكن وقضايا أخرى يواجهها المصريون وتعمد النظام صنع حالة من "الحرب الوطنية"؛ تظل دائرة باستمرار في كل مؤسسات الدولة وخاصة مؤسسة القضاء واعتماد هذه الحرب الوطنية المُلهية للشعب باعتبارها: الوسيلة المستخدمة لإدارة الدولة. والنظام مات لأن شخصيات الحكم على غير قناعة بضرورة التغيير الفوري والإصلاح الديمقراطي والنزاهة في الحكم.

والنظام مات وانتهى أمره: لأن من يمسكون بالحكم ليسوا على قناعة بأن خصم مصر هو الفقر وليس هو الإرهاب؛ وحتى ولو كان الإرهاب المستند إلى عنصرية "دينية" خطراً ماثلاً في بعض المناطق داخل الجمهورية؛ فإن الإرهاب كمهدد للمجتمع المصري كان دائماً خطراً محدوداً مُسيطراً عليه بوعي من المصريين وليس بالمواجهة الأمنية. والنظام الحاكم مات لأن السيسي كان يصنع الأخطاء ويعالجها بمزيد من الأخطاء فيضاعف في متوالية لا نهائية أخطاءه في الحكم، فالنظام مثلاً ظل حتى الساعات الأخيرة من موته؛ يتجاهل أو يجهل أن "الإرهاب" يولد غالباً من رحم الفقر أولاً وقبل أن يولد من قصور مُجتمعي في التعليم الديني والعام.

الشعب المصري في أغلبه: غاضب وصوته الذي يتجاهله أو يحاول خنقه من يمسكون بعصي السلطة يقول بوضوح: "أيها الحاكم الغافل اللا مبالي والمتلاعب، كفى وأرحل". المصريون الآن يعيشون أياماً فارقة؛ ستسفر عن أوضاع جديدة؛ سوف تؤثر في مستقبل كل أجيالهم القادمة. والفشل المتكرر من "نظام السيسي" وعدم القدرة على استغلال ما لاح من فرص النجاة أو المعالجة الصحيحة للأخطاء التي حدثت وتدارك جهل إدارة المواقف السياسية والوطنية؛ يؤكد أن نظام عبدالفتاح السيسي وركيزته من بقايا نظام الرئيس مبارك و"معسكر العسكر"؛ قد احترق إلا بقايا وأنه انتحر بمقامراته الوطنية وفي مجمل أدائه وإدارته للدولة وأنه قد سلم نفسه للموت.

لقد ضيع نظام السيسي على المصريين قدر الحرية الذي كان متاحاً في عهد مبارك؛ كما ضيع عليهم خطوات طريق الحرية التي قطعها المصريون بعدما أُسقط نظام مبارك وأيضاً فقد أضاع السيسي الحالة السلمية للتغيير السياسي وتداول السلطة وتغاضي المصريون عن "عملية صنع الاضطراب والفوضى" التي أتى السيسي للحكم تحت ذريعتها؛ ولولا الإفقار والغلاء غير المسبوق الذي أحدثه نظام السيسي فقد كان من الممكن أن لا يلتفت المصريون إلى الطريقة التي اغتصب بها عبد الفتاح السيسي السلطة في 3 يوليو 2013 بحكم الواقع الذي فرضه الجيش والانقسام الوطني على أداء النظام الرئاسي في سنة حكم الرئيس محمد مرسي ولكن أداء نظام السيسي أعاد فرض تقييم الوضع برمته بعد سنوات ثلاث كاملة من الفشل ومعالجة الفشل بالدعاية المكثفة".

لقد مات نظام السيسي ولم يبق إلا إشهار شهادة الوفاة؛ فقد انكشف النظام عارياً عاجزاً؛ خائناً للوعد بالمحافظة على الوطن وسلامة أراضيه؛ وأيضاً فقد تم انكشاف المشاريع السرية لرجال الحكم والتي بدا منها أن النظام قد قبل كل المشروعات المنشئة لشرق أوسط جديد تتمتع فيه دولة إسرائيل ليس فقط بالاستقرار على حساب خلخلة الأوضاع في الدول العربية؛ بل ستكون إسرائيل هي "قاطرة"هذا الشرق الأوسط الجديد وعقله المسيطر.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.