المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد عبدالله الصباغ Headshot

الرئيس السيسي عندما يمسك بالميكروفون الألماني

تم النشر: تم التحديث:

في وقائع كثيرة فإن الأمر يبدو جلياً أن الزمام قد أفلت من يد الرئيس عبد الفتاح السيسي، وأصبح العابثون في ظله في "مؤسسات السلطة" وفي الإعلام المسيطر عليه من رجال في السلطة، يتحركون وفق ما يرون، على أساس أنهم "رجال النظام"، ويعملون على خدمته والحفاظ عليه.

ومن كثرة الكذب الرسمي في الروايات المتعلقة بأي حدث في مصر الآن، فقد أصبح المواطنون في شغل عن هذه الروايات الرسمية، ولا يقابلونها إلا بالرفض والتكذيب، حتى ولو كان بها شيء من الصدق.

فقد أصبحت حالة عدم الثقة فيما يقوله الرسميون هي الواقع بعد أن تكررت الأكاذيب.

وظاهرة التشكيك في الرواية الرسمية، وفي محتواها وفيما تهدف إليه، ستظل ملازمة لإعلام النظام الرسمي وللإعلام الخاص الموالي للسلطة كذلك.

والحاصل أن النظام يغطي على الأكاذيب بمزيد من الأكاذيب ولهذا لن ينصلح حال "النظام" والأوضاع السياسية التي أصبح مسؤولاً عنها، إلا إذا تمت مساءلة أفراده عن الخطأ في الأداء وعن الكذب في الحديث الرسمي.

ورغم أن الحال على ما هو عليه الآن من جو عام من الأكاذيب ومخاصمة الحقيقة واختلاق الروايات والوقائع وعدم الصدق والتضييق الشديد على الحريات، فإن رئيس الجمهورية يقول منكراً الواقع: "إن لدينا حرية رأي وتعبير غير مسبوقة".

والشاهد أنه في حوادث كثيرة فإن النظام نفسه كان، هو مَن يبادر بضخ الروايات الكاذبة علي ألسنة المتعاونين معه، وبعض هؤلاء المتعاونين ورغم صفتهم العسكرية أو الأمنية السابقة، كانوا يضخون الأكاذيب الساذجة؛ من أجل خلق حالة من الإلهاء والتشويش علي الحقائق الصادمة التي يجسدها واقع المصريين.

الآن وبعد 4 سنوات على ما سمي في وقت ما بأنه "الرئيس الضرورة" وربما لم تكن مصر لأسباب كثيرة وقتها في حاجة إلى هذا "الرئيس الضرورة" ولا إلى الدفع بالجيش ليقود انقلاباً "عسكرياً دينياً طائفياً" في 3 يوليو/تموز 2013.

والذين أتوا برئيس الضرورة كانوا يظنون أنهم يصنعون رئيساً متوافقاً عليه في "الجمهورية العسكرية الطابع"، وأن هذا الرئيس على هواهم ووفق مصالحهم، ولكن الأمور صارت ورئيس الضرورة يتصرف ببعض الإرضاء للخارج ولكن كان هذا على حساب تدمير الداخل المصري وهو وضع أصبح مقلقاً لرعاة الخارج وداعمي فكرة "سيطرة العسكريين في مصر دائماً".

ومع بداية السنة الرابعة من رئاسة السيسي، أصبحت "متاهة رئيس الضرورة" الذي تحول إلى ديكتاتور "كامل النمو"، ولكن بلا "عقل ديمقراطي" يستوعب حاجة الإنسان للحريات بقدر حاجته لضرورات الحياة الأساسية.

أصبحت متاهة هذا "الرئيس الديكتاتور" تتوسع وتصرف نظام الحكم، على النحو الخاطئ وعلى النحو الذي استنه منذ بداية حكم "السيسي" مجموعة من المستشارين "الديكتاتوري الهوى" وقد استن هؤلاء: استخدام التشريع الموجه وإصدار القوانين المقيدة للحريات والتدابير اﻷمنية والحلول المخابراتية واللعب السري والتدني إلى المغامرة بالحرب اﻷهلية الطبقية أو الدينية واستخدام الدعاية والإعلام السلطوي على أوسع نطاق في تخدير الجماهير والتلاعب بالوعي، ورغم كل هذا فإن الأوضاع الحالية تكشف أنه: لن تنقذ هذه العبثيات نظام الحكم، من مصيره الذي يسير إليه "بتبني حكم الفرد" والاستبدادية في ممارسة السلطة وتنحية الشعب عن صنع القرار السياسي والقرار الوطني.

الرئيس السيسي يحاول تحسين فرصه في البقاء في الحكم، ليس للسنة المتبقية من فترته الرئاسية فقط؛ بل إلى حد مَدْ هذه السنة المتبقية إلى سنوات كثيرة، وذلك تحت مزاعم أن وجوده في الحكم هو تثبيت لأركان الدولة المصرية: من الإرهاب والمؤامرات الداخلية والخارجية التي تستهدف مصر، وأنه السد الذي يمنع كل المؤامرات من أن تنجح في مساعيها وتهدم الدولة.

والسيسي من أجل أن يمرر فترته الرئاسية القادمة عبر "الخارج" فقد لجأ إلى حملات من الدعاية المكثفة، وقد قبل بتحالف استراتيجي ظاهر الجزء العلوي منه مع إسرائيل وقيادتها وجيشها.

ومحاولة "السيسي" لتحسين فرصه في الاستمرار في الحكم التي تستهدف الخارج أساساً، لا تقيم وزناً للداخل، من حيث ضرورة إرضاء الشعب والاستجابة لمطالبه في "الحقوق الحياتية المعيشية" أو فيما يتعلق بالحريات العامة والعدالة القضائية، ويستعيض "السيسي" عن هذه الواجبات المفروضة للشعب بتعميق القبضة الأمنية وإطلاق القبضة التشريعية الموالية له؛ لتصنع مزيداً من تقييد حريات المصريين وبخس حقوقهم.

ومؤخراً فقد أفصح الرئيس السيسي في حوار له مع الإذاعة الألمانية "دوتش لاند فونك" عن جزء من طبيعة خطابه الدعائي وهو يمهد الأرض في الخارج لأن يكون رئيساً لمصر لمدة أخرى، وكان من ضمن ما قاله وهو يعلن خطابه الدعائي أن حرية الرأي مكفولة أكثر مما ينبغي، خاصة في الإعلام والتلفزيون، وأن حقوق الإنسان وكرامة المواطن حق لكل مصري، وقد قال السيسي أيضاً: "وحين تتابعوا مصر ووسائل الإعلام والقنوات التلفزيونية والصحافة والجرائد والصحف على مدار الأسبوع، ستتأكدون من مدى الحرية التي يتمتع بها الناس في التعبير والنقد، ففي مصر يتحدث الناس عن كل المواضيع الممكنة بحرية وبصراحة دون تدخل من أحد، سواء إن تحدثنا عن التلفزيون والصحافة، وإذا تابعتم كل هذا ستتأكدون من أن الحرية مكفولة أكثر مما ينبغي".

وقد واصل السيسي خطابه قائلاً: "من المهم أيضاً أن يكون هناك توازن بين كفالة حقوق الإنسان والحفاظ على الأمن ووحدة البلاد، نحن بلد تعداد سكانه 93 مليون نسمة وإذا انهارت مصر، سترون أن الناس في مصر سيضطرون إلى الهروب واللجوء في أي مكان، وأنتم شاهدتم بأنفسكم كماً من اللاجئين السوريين وغيرهم من دول عربية أخرى قدموا إلى أوروبا وألمانيا في السنوات الأخيرة، وهم الآن يعيشون في مخيمات عديدة للاجئين في بلاد مختلفة".

وقد واصل "السيسي" خطابه الدعائي: "في الوقت نفسه أريد أن أجنب بلدي الانهيار وأحمي شعبي، ولكن هذا لا يعني أنني أغفل حقوق الإنسان، ولكن من الضروري أيضاً أن تعرفوا أن كثيراً مما يقال غير حقيقي وغير دقيق، فدولتنا دولة مدنية، ومن يتابعنا يعرف أن للقضاء الكلمة الأخيرة، فلا أحد يتدخل في الأحكام التي يصدرها القضاة".

لقد قال "السيسي" ما قاله للإذاعة الألمانية، رغم أنه هو من أحدث هواناً في كل مناحي حياة المصريين، وأن ما خربه في كيان الدولة ومؤسساتها وفي الشعب المصري لن يتم تداركه بعد ذلك، وأنه قد أحدث قمعاً للحريات غير مسبوق، وأن الجوع في عهده وصل بالكثيرين من المصريين إلى حد المجاعة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.