المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد عبدالله الصباغ Headshot

انتهازية السلطة في التعامل مع المبدعين

تم النشر: تم التحديث:

2017-05-21-1495395153-317000-saiddarwish.jpg

تعاملت السلطة في مصر دائماً مع فنانيها ومثقفيها وأدبائها، سواء في العهد الملكي الذي بدأ، في مارس/آذار 1922، واستمر حتى 18 يونيو/حزيران 1953، حين تم إعلان الجمهورية، أو في عهد حكم ضباط الجيش الذي بدأ مع أول يوم في انقلاب 23 يوليو/تموز 1952، تعاملت السلطة في كلا العهدين بمنطق "الاستخدام" وتبعية هؤلاء المبدعين للسلطة، وعدم خروجهم عن تعليماتها أبداً، وكأنهم عبيد لها، وفي حالة خروج هؤلاء المبدعين عن طوعها يكونون منبوذين، مضطهدين، مقتولين أحياناً. فكان اﻹبعاد والنفي والمطاردة والنكران والجحود وعدم الاعتراف بالقيمة جزاء كل من خرج عن الحظيرة.

وفي العهد الملكي "المصري" كان "سيد درويش" نموذجاً للمعاملة غير الكريمة للفنان المتمرد عن حظيرة السلطة، وقطيع التابعين المنتفعين.

وُلد "سيد درويش"، في 17 مارس/آذار 1892، وقتل مسموماً، في 15 سبتمبر/أيلول 1923، عن عمر جاوز الحادية والثلاثين عاماً بقليل في عهد الملك اﻷول في اﻷسرة "اﻷرناؤطية" أسرة محمد علي باشا. وكان سيد درويش في حياته نموذجاً لمن نبذتهم السلطة الملكية، هو وشريكه في اﻹبداع الشاعر "بيرم التونسي"، الذي شارك "درويش" في صناعة بعض إبداعه الموسيقي في أوبريتي: "شهرزاد" و"الباروكة اﻹيطالية"، كما شارك "سيد درويش" في الغناء الساخر من شخص السلطان "أحمد فؤاد"، قبل أن يجعله اﻹنكليز ملكاً على مصر.

لقد كان "سيد درويش" هو أحد فناني ثورة المصريين في عام 1919، ولقد سبب له هذا بعداً عن القصر الحاكم، حتى تم قتله بالسم، في 15 سبتمبر/أيلول 1923، حين كان يستعد للسفر إلى إيطاليا للابتعاد عن مصر وملكها الديكتاتور "أحمد فؤاد".

وكان سيد درويش خلال فترة الغليان السياسي التي أعقبت الثورة المصرية قد أنشأ فرقته الفنية والمسرحية الخاصة، التي قدم بها رواية "العشرة الطيبة" لـ"محمد تيمور".

وفي عام 1921 استكمل دوره كموسيقار للشعب المصري بكتابة مقالاته عن الموسيقى التي كان يوقعها باسم "خادم الموسيقى سيد درويش"، وبما استطاع أن يصنعه بأن يجعل الغناء على لسان كافة المصريين، يتم في سهولة لبساطته في الجملة الموسيقية "الملتقطة" من غناء البسطاء ومن "حياتية" الكلمة المنتقاة للغناء.

وبرحيل "سيد درويش" أرادت السلطة السياسية أن تطوي صفحته تماماً، إلا أن الثورة الموسيقية والغنائية التي أحدثها بقيت وأثرت في كثيرين ممن عاصره أو أتى بعده. وفي عهد الملك فاروق الذي استكمل منهاج أبيه، بعد رحيله في 28 أبريل/نيسان عام 1936، فقد واصل فاروق في عهده وسلطته تهميش ما أبدعه "سيد درويش"، بعد أن جحده أهل السلطة وفنانو السلطة، والذين رعوا في مراعيها.

وبعد تغير العهد الملكي فقد كان لعهد الضباط "زمرة" من الفنانين واﻷدباء والمبدعين، كان بعضهم من إنتاج "العهد الملكي"، وقد واصلوا العمل مع "عهد الضباط"، أو أنتجهم "العهد الجديد"، حسب الرؤية التي تعامل بها هذا العهد مع المبدعين بصرامة؛ كونهم أداة من أدوات "النظام"، وقد صنع منهم النظام العسكري الجديد "الفازلين لخشونة السلطة" و"مخدراً" حتى لا يشعر الشعب بقسوة الحكم العسكري. وكان هؤلاء المبدعون من ضمن وسائل اﻹرشاد القومي وتنويم الشعب على الطاعة السياسية.

ولقد تعامل نظام الرئيس "جمال عبدالناصر" بعد أن آلت إليه السلطة كاملة في عام 1956 مع المبدعين المصريين بانتهازية وانتقائية، ولم يتعامل معهم على أساس قيمتهم الفنية وتراثهم الفني.

وهكذا استمر تهميش "سيد درويش" وفنه وذكراه في عهد ثورة الجيش، رغم إنتاج فيلم عن حياة "سيد درويش" في عام 1966، أخرجه "أحمد بدرخان"، وظل "سيد درويش" مهمشاً حتى "الهزيمة"، في يونيو/حزيران 1967، حين تم استدعاء تراث "سيد درويش" على استحياء لشحن المصريين والعرب المتعاطفين مع "نظام عبدالناصر" لمقاومة الشعور بالانكسار والهزيمة أمام إسرائيل.

وكانت المفارقة، التي تصور كيف تعامل نظام "عبد الناصر" مع تراث سيد درويش، أنه في اليوم اﻷخير من حياة "جمال عبدالناصر"، في 28 سبتمبر/أيلول 1970، كان عدد مجلة روزاليوسف (العدد 2207) وعلى الصفحة (32) من هذا العدد دعوة لتبني الاحتفال "السنوي" بذكرى رحيل "سيد درويش" والاحتفاء بتراثه؛ فقد كتب "عبدالفتاح غبن": "بعض الذين لا يعرفون "سيد درويش" يتصورون أن المطالبة بالاحتفال بذكراه مسألة تخص "سيد درويش"، وهؤلاء ربما كانوا لا يعرفون أن "سيد درويش" مات منذ سبعة وأربعين سنة، ولم يعد يحتاج إلينا في شيء.

بالعكس نحن الذين نحتاج إليه بشدة، فلحن "بلادي بلادي" الذي لم يكن يعرفه قبل "النكسة" إلا عشرات من محبي "سيد درويش"، أصبح بعد النكسة النشيد القومي للشعب العربي كله. لهذا فنحن لا نطالب بتقديم أعماله بمناسبة ذكراه فقط، بل نطالب بتقديمها طول أيام السنة. لقد آن الأوان لأن تتولى وزارتا الثقافة واﻹرشاد القومي (كان الكاتب الصحفي الراحل محمد حسنين هيكل هو وزير اﻹرشاد القومي في ذلك الوقت إلى جانب عمله كرئيس لمجلس إدارة اﻷهرام وكرئيس للتحرير)، مسؤولية تقديم أعمال سيد درويش في اﻹذاعة والتلفزيون والمسرح.

مات "جمال عبدالناصر" وربما لم يطالع هذه الدعوة، فقد كان مشغولاً بمؤتمر "الهليتون" في القاهرة، الذي عُقد لإنقاذ الفلسطينيين من مذابح "أيلول اﻷسود" في اﻷردن، على يد الملك الراحل "حسين بن طلال"، وكانت مجلة "روزاليوسف" قد أرفقت على نفس الصفحة التي كتبت عليها هذه المناشدة، رسم "كارتون للفنان أحمد حجازي"، وقد رسم فيه اثنين من أهل الجنة، يتحدثان عن ترديد "سيد درويش" لأغنية "بلادي بلادي" وهو يبكي بعد هزيمة يونيو 1967.

وبعد رحيل عبدالناصر ومجيء أنور السادات للحكم في أكتوبر 1970 فقد استمرت الانتهازية "السلطوية" في التعامل مع "تراث درويش"، فقد وظفت اﻷغنية الثورية "بلادي بلادي" لتكون هي "السلام الوطني الجديد"، بعدما أراد "السادات" التحول عن النشيد الوطني، الذي كان مطلعه كلمات "والله زمان يا سلاحي.. اشتقت لك في كفاحي"، وذلك بعد أن قرر إنهاء حالة الحرب مع إسرائيل، وبدأ محاولة صنع اتفاق سلام معها. وكان هذا التوزيع الموسيقي الجديد الذي أجراه الموسيقار "محمد عبدالوهاب"، المتربي في مدرسة سيد درويش ﻷغنية "بلادي بلادي" مثالاً مؤكداً لما يمكن أن تصنعه السلطة وفنانو السلطة المتعاونون معها، بالتراث الفني لأحد البارزين في التمرد على السلطة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.