المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد عبدالغني Headshot

خبرُ اختِفاء ابنتي

تم النشر: تم التحديث:

دفعَ الفقرُ الناسَ إلى أن يفعلوا أيَّ شيءٍ مُقابل كسب المال، حتى لو تخلَّوا عن مبادئهم أو أعرافهم، وضربوا بها عرض الحائط، حتى ولو امتهنوا أكل لحومِ البشر.. فنرى أُناساً مِنّا يعيشونَ بيننا ورُبما يأكلون معنا، ويأكلوننا من بعدِ جشعٍ طالهم، ليهتِكوا كُل أعراض الإنسانية والرحمة والرأفة، يأكلوننا ليس لأنَّ لحومَنا شهيّة، بل لأنَّ بطونهُم عفنة قد ملأُها الجشع نتيجةَ ذلكَ الفقر.

هرعتُ إلى ابنتي أحتضِنُها ودموعي تذرِف، ضممتُها إلى صدري وقُلت بتلعثُمٍ: أي بُنيَّتي.. أأنتِ بخير، بدا ذلكَ غريباً بعض الشيء، أرتجِفُ وأبكي بحُرقةٍ أخشى أن يحدُث لها ما آل بجارتِنا، بدت لا تفهم شيئاً، ولا تدري أنَّ ما دفعني لهذا هو خوفي عليها، كيف لا وهي فلذةُ كبدي!! ألعقُ الثرى زاحفاً على وجهي في صحراء مُشمسة تشوي جسدي لراحتِها وسعادتِها، فماذا لو أصابها مكروه؟ سلِّم يا ربِ سلِّم.

قالَ أحدهُم إن جارتَنا لم تعُد إلى المنزل مُنذ أن ذهبت لتلبية حاجات منزلِها وأطفالِها وزوجِها المسكين الذي يعودُ مُتأخراً مرهقاً من عملهِ، نعم لم تعد ثانيةً إلى المنزلِ لقد تغيَّبت لأكثر من ثمانٍ وأربعين ساعة!.. يا لهُ من وقتٍ طويل، وانتشرت صُورٌ لها في صفحات المخطوفين والمفقودين والمُصابين وحتى أطفال الشوارع، ولكن هيهات.. فالخاطِفُ لا يُبقي ولا يذر.

لم أعُد بعد الخَبرِ كما أنا، ثمة شيء أصابني في عقلي وتفكيري، لم أعُد أحتملُ العمل، أُريدُه أن ينتهي كي أطير إلى صغيرتي أرتاحُ بلمسةٍ من كفِّها وبكلمةٍ من فمِها، ولكن هيهات فالوقت لا يمُر يُشبهُ سُلحفاة كسولة تتسلقُ جبلاً.

العالم في ذهول، الكُل في حيرةٍ من أمرهِ، بالأمس القريبِ كُنا نسمعُ عن طفلٍ قد اختطفوه، وفتاة في زهرة شبابِها لم تعد إلى منزلها مُذ خرجت إلى جامِعتها، واليوم جارتُتنا، وغداً ستكونُ ابنتي! يا إلهي لا أُريد أن أتذكر هذا.. يا جميلتي معذرةً، فلو بقيَ الوضعُ هكذا ستجلسينَ بجواري، لا خروج حتى ولو لغرض التعليم، هذه المرحلة وفقط.. فأنتِ تكبُرين، لا أُريد أن تنقطع أنفاسي التي أتنفسُها من خلالكِ.

ذات مرةٍ أتت لتُقبّلُ جبهتي وتقول إنها ذاهبة مع زميلاتِها إلى الدّرس، أبتسِمُ وأُخفي عليها ما بداخلي من خوفٍ شديد، فالخطفُ على مسمع ومرأى الجميع، ولكني أفشلُ دائماً في أن أُخفي هذا القلق فيظهر عليّ فتقولُ مُطمئنةً: يا أبي، اللهُ خيرُ حافظٍ.. وتذهب ويذهبُ قلبي معها، بل وكُل أعضائي، لم أعُد أتحمّل أن تذهب بمُفردها، لا أُريد أن يأكلها آكلو لحوم البشر.. من الواضِح أننا على جُرفٍ هارٍ يهوي بنا إلى "الشدة المستنصرية الثانية".. بل ونعيشُها ولكن بشكل آخر، بمخالِب أُخرى، وأُناس آخرين.

اشتدَّ سوادُ الليل وفلذةُ كبدي لم تعد! سريعاً أتصل بصديقتها، ولكنّ يا ليتني أبقيتُ على نفسي قليلاً كي تحظى بأمل، قالت: إن ابنتك لم تأتِ لنذهب للدرس معاً. كان الردُّ وحدهُ كفيلاً بإغلاق كُل نوافذ النور التي تُشرقُ على الحياة، سقطتُ من هلعي ولا أدري ما حدث. استيقظتُ في المشفى أهتف باسمها علّها تُجيب، يا إلهي اجعل هذا الكابوس ينتهي وأفيقُ من نومتي.. صُعقتُ مرةً أُخرى وبكيتُ بدل الدُموع دماً عندما أيقنتُ أننا في اليوم الثاني وأني مُستيقٍظٌ، وأن ما أعرفهُ بالضبطِ قد حدث.

يا إلهي، إنَّها فتاةٌ صغيرة لا تقوى على الخوف، يا إلهي يسّر لها الطريق كي تعود، يا إلهي رجائي فيك كثير وأملي فيك كبير، فلا تُخيّب ظني، فأنا الفقير.. أبكي بحُرقةٍ كيف نامت؟ كيف أصبحت؟ ماذا فعل الخوفُ بها؟ بالطبع قد تغيّرت ملامِحُها وشيّبَ شعر رأسها، بل ماذا فعلوا بها؟ ولم حرموني منها؟ هل هو جشعُ البطونِ، أم هو عفنُها؟.. هل قطّعوها؟ سأبحث في مقالبِ القمامة فقد سمعتُ من قريبٍ أنهُم يُلقون الجسد هُناك بعد أخذ ما يُريدون منهُ.. يا إلهي رد عليَّ ضالّتي فقد انحنيتُ من البحثِ عنها.. وأخيراً لم أجدها في مقالب القمامة، يبدو أنها حيّةً ولم يقتلوها بعد.

لم يعُد كُل شيء جميلاً كما كان، لقد انطفأ مصباحُ بيتنا وشمعتهُ، وكم من بيتٍ قد انطفأت مصابيحهُ من قبل! الله الله لفاقدي فلذاتِ أكبادهم وسط تعتيم إعلامي بشِع، وسط إعلام أبكم لا يتفوه إلا بالخبيث ليُثني على الراقصات تارةً وعلى المُمثلات تارةً أُخرى فضلاً عن أنه يقمع كُل صاحِب رأي أو قضية هادفة، وإعلاميين لا يملأ فاههم إلا التُراب يثرثرون ويجعجِعون ليلَ نهار بخُرافات هُم لا يؤمنون بها، فيلبِس كُل منهُم عباءةَ الناصِح الأمين، أن نحمِد الله على ما نحنُ فيه من أمنٍ وأمانٍ، أينَ الأمان؟ أيُّ دهاءٍ هذا وأيُّ عارٍ وأيُّ تُرّهاتٍ يُرددونها؟!

لم يُجرّبوا إحساسَ الفقد، لم يعيشوا يوماً بدون أحدِ أعضائهم، دون فلذات أكبادهم، فهم آمنون مؤمّنون، لم يبكوا دماً ذات ليلةٍ وهم مُصابون بالجنون إثرَ فُقدان أحدٍ اختطفهُ آكلو لحومِ البشر ليُبقوا لهُم لوعةً تزدادُ مع الزمن لا تنقُص، مؤكد أنهُم لم يُجربوا العيش في وُسواسِ الـ"يا ترى أحيٌّ هو أم ميّت، أيأكُل أم أضمرهُ الجوع، كم قطعةٍ قد سلبوا منهُ، وكم فقدَ منَ الوزن؟".. سيأتي يومٌ وسيُجرّبون ذلك دون شك، "وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيد".

الفَقد بهذه الطريقة هو إحساس بشِع لا يتحمّلهُ بشر، فالميّت قد أيقنّا أنهُ ذهب إلى ربه، أما هذا الذي مِنّا فلا نعرفُ مصيرهُ، وإلى أي دربٍ أوت به الأرض، وإلى أي مصير أودى به ظلام الدنيا.. فقدُ النفسِ وإبقاؤها في دوامة لا تزول طوال حياتِها في تساؤلات وأمانٍ وتمنّ بأنهُ غائب وحتماً سيعود، وإلى أن يعود هوَ أو نرحل نحنُ عن الحياة، تبقى الحياةُ جحيماً لا يهدأ، وجفون العين لا تنام.

فاللهَ يا الله، لا تمتحِن أحداً مِنّا في حبيبٍ لهُ أو قريب.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.