المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد عبدالغني Headshot

عقيدة البهلوان "1"| مُصحف باهت

تم النشر: تم التحديث:

بدأ الأمر قديماً عند ظهور "مصحف" له طابع مُختلف عن المُعتاد، طابع ومظهر غريب عن الذي عرفناه في البيوت، والمساجد، والكتاتيب، يحمل ألواناً عديدة من الدّاخل ولهُ غلاف ناعم من الخارج، لونهُ زاهٍ كأنهُ صُمم خصيصاً ليتماشى مع لون غطاء الرأس أو "الحقيبة" أو لون القميص.

في شارع "خان الخليلي" يقع مقهى كبير له تاريخ عريق من قديم الزمن يحمل صوراً كثيرة لشخصياتٍ تاريخيةٍ، على اليمين من ناحيةِ "مسجد الحسين" في ميدان الحسين بالأزهر.. يتميز بالمناظِر التاريخية والحضارة العريقة التي تدّق جنباته، وعلى أعتابهِ حيثُ مُدّ البصر شارع يحمل تاريخاً وحضارةً لقرون.. يتردد عليه العائلات من المصريين والعرب والأجانب من مختلف الدول، فالمقهى والشّارع والميدان والمنطقة من أجمل الأماكن في القاهرة.

جلستُ وأمامي على الطاولة المقابلة تجلس عائلة مكونة من أربعة أفراد؛ أُم وابنتيها وطِفل في عُمر الصبا، في يد كل واحدةٍ منهنَّ لَي ممتد من فمها إلى "أرجيلة" لها رائحة خانقة، والصبي يترقب وكأنه ينتظر دورهُ عندما يكبر.

مرّ بجواري شابٌ عشرينيٌّ يحمل بين يديه عدداً من "المصاحف الملوّنة" وروايات، بعضُها فوق بعض، وقف يعرض ما بين يديه للعائلة التي أمامي، وأنا أُتابع في ذهول، تمسك الفتاة بمجموعة من المصاحف وكأنها تُقارِن بينهم، أيُّهم سيتماشى أكثر!

شعرتُ بأظافِرها الطويلة ذات الطلاء الدّاكن وهي تتحسس تطريز المُصحف وكأنها مخالب حيوانٍ مُفترسٍ يتحسس فريستهُ قبل التهامها.. تمنيتُ لو صرخت بوجهها أن تكُف عن التحسّس، ولكن شيئاً ما بداخلي منعني.. علهُ عدم إرادتي أن أُسبب للمصحف ذُعراً أكثر من هذا.

الأمر لا يتعلق بفتاة "تُأرجل" أو مُتبرجة وفي أذنها ثلاثة "ثقوب" أو أكثر! الأمر سفه من نوع خاص.. مُتعلق "بدستور أمة" يُعرض بهذه البشاعة في مقهى ضُيوفه بهذه البشاعة لفتيات بهذه البذاءة، كتاب الله يحملهُ شاب في يده واليد الأخرى تحمل سيجارة!

عاملنا "المصحف" على أنهُ زينة يجب أن توضع أعلى الرفوف، وأمام السائقين، وتُزخرف كلماتهُ على شواهد القبور، وأخيراً يُلوَّن حتى يتماشى مع ألوان الحقائب والبلوزات.

بعض الأشخاص يرونهُ أمراً رائعاً شارك في كثرة اقتنائه من كُل فئات الشباب مع مختلف أعرافهم وطريقة تفكيرهم.. دون أن ينظروا للأمر بزاوية أُخرى، دون أن يعلموا مدى خطورة الأمر، وأن الغرض منه ليس الاقتناء فحسب، ولكن يبدو أن الغرض منه الاقتناء والإهانة!

منذُ متى ونحنُ نعرضهُ في المقاهي للبيع؟ أو على المُتبرجات ليُناسب أذواقهُن؟ بدلاً من أن نتقولب نحنُ ونتشكل عليه.. فضّلنا تلوينهُ ليليق بأذواقنا الزاهية وقلوبنا الباهتة، بدلاً من وضعه في القلوب ليقومها ويقويها فضّلنا وضعهُ في أيدينا للتباهي به!

البائع لا يعي ولا يعرف قيمة "المُعجزة" التي بينَ يديه والمُشتري أيضاً، الشّاب يُعامله كسلعة كسب للرزق، والفتاة تُعامله كـ"طلاء أظافر" يُجمّلها في أعيُن المارّة، هُم ضحايا مُجتمع جرّدهُ الغرب من عقيدته، وفرَّغهُ من دينه، وجعله عبارة عن هيكل هش فارغ، فأصبح لا يفرق بين الثمين والدَنيّ، بين ما يجب أن يُعظم وما يجب أن يُحقر، بين ما يجب أن يَهاب ويُقدَّس وبين ما يجب أن يُنفِر ويُصغِّر، أصبح يبيع أغلى ما لدينا في المقاهي والأسواق وكأنهُ سلعة بالية تُباع بثمنٍ بخس كأمر عادي.

كُل يوم في شوارعنا نرى إسلامنا وقوائمهُ وشواهدهُ وأُسسهُ وقيمهُ وأغلى ما فيه، تُنتهك أعراضُها بوحشيّة أمام أعيُننا ولا يتحرك لنا ساكن، بل ونحنُ بارعون جداً في الإعراض والنأي بجانبنا، هذا إن لم نكُن نحنُ أصحاب الجُرم.

إعراضُنا وبلاهتنا وتخاذُلنا وكل هذا السبات الذي نحنُ إجرام في حق هذه الأعراض المنتهكة يوشك الله أن يأخذنا بها أخذ عادٍ وثمودَ والطواغيت.

في النهاية تمكنتُ من الحديث مع البائع بغرض النصيحة، ولكنهُ سرعان ما سمعني أقول: "بيع هذا المصحف في هذا المكان لهؤلاء الأشخاص لا يجوز"، حتى فتح لي آخر صفحاته وأشار بأُصبعه نحو ختم الأزهر وهو يردد بكل بلاهة و"بلاطة" وخزي: لو كان لا يجوز لما صرّح به هؤلاء!

"ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ".

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.