المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد عبدالناصر مهران Headshot

هه.. سرقت أبي!

تم النشر: تم التحديث:

في الرابعة عشرة من عمري، أهداني أبي هاتفاً خلوياً من طراز حديث بمناسبة تفوقي في المدرسة، وشّدد عليَّ بحرص بالغ أن أحافظ عليه مثل عيني، وأن الأشياء الثمينة تترصدها أعين اللصوص وهي في أيدي الكبار، فما بالك وأنت صبي، لم أعِر الكثير من الاهتمام لتوصيات أبي، فقد اعتدت على حرصه الخانق تجاه كل ما أملكه، ونظريته أن في كل مكانٍ تتواجد فيه، ثمة لص ينتظرك، هكذا هم العصاميون، يبنون أنفسهم من الصفر، ويهدمون نفوس أبنائهم إلى الصفر.

بعد ثلاثة أشهر، كنت في رحلة مدرسية لأحد المعالم السياحية، واكتشفت في نهاية الرحلة أن هاتفي قد سُلب من حقيبة ظهري رغم صعوبة الوصول إليه، شعرت هنا بذعر، لا أعلم سبب جمود أطرافي، أهو حزني على هاتفي حبيب قلبي؟ أم مواجهة أبي الخاسرة الذي لطالما أخبرته أن تخوفه الزائد يهدم ثقتنا في أنفسنا.

في المساء، صارحت أبي بما حدث لي، وأخبرته أنني تركت هاتفي في حقيبتي التي لم تفارقني، ولا أعلم أيهم دَسّ يده بداخلها وسرقني، وقتئذ تزلزلت الأرض من تحتي، تلقيت توبيخاً قاسياً، قال عني إنني لست رجلاً؛ لأن الرجل لا يترك لأحدهم أن يخدعه ويأخذ حاجته، أنت مهمل.. أنت فاشل.. أنت عديم المسؤولية.. أنت لا تعلم قيمة ما لديك.. إنه بمئات الجنيهات، ماذا ستقول لأخواتك البنات، وماذا تقول لأولاد عمومتك، وأبناء خالتك.. أنت عار.. اغرب عن وجهي.

يومها صرت مهوساً، أحرص على أي شيء أقتنيه، أراقب الأرجاء، وأشك في ظلي، فوجد أبي أنني قد تعلمت الدرس، وجاء لي بهاتف بتقنية متطورة بعد أربع سنوات، ولم يمر عام حتى سرق هو الآخر!

كنت وقتها في رحلة إلى مدينة" أوساكا" اليابانية، ضمن مبادرة للتبادل الثقافي بين الشعوب، ورغم أن اليابان تعد أكثر الدول أماناً في العالم، فإن هاتفي سُرق في مطعم صغير يقع بجانب قطار الأنفاق، عندما دفعتني سذاجتي أن أصدق أن لا يمكن أن يتواجد لص هنا في كوكب اليابان، فذهبت لدورة المياه وتركته على المنضدة، وما إن عدت لم أجده، هنا نبوءة أبي التي تطاردني عادت لتهزمني، في كل مكان يوجد لص ينتظرك، أما الرجل السبعيني صاحب المطعم، فقد أخبرني أنها السرقة الأولى من نوعها التي يشهدها مطعمه منذ افتتاحه منتصف القرن الماضي!

في رحلة العودة من اليابان، جلس بجانبي في الطائرة رجل لبناني خمسيني، وقد لاحظ حزني الشديد على فقدان هاتفي، وتخوفي من مواجهة أبي، سألني عمّا يحزنني، فحكيت له، فضحك من سخف قصتي، ثم راح يهون عليّ، وأخبرني أنه سافر لأكثر من ستين دولة، ولم يخرج منها إلا وقد سلب منه شيء، وأنك مهما حرصت، قد تسرق ببساطة، وأن مثل هذه الأمور تحدث.

بعد عامين من فقدان هاتفي الثاني، صرت أكثر حرصاً من أي وقت مضى، واشتريت حقيبة تربط ناحية الخصر، وتقع جيوبها ناحية الأمام، ولا يمكن لأمهر لص أن يفكر في وضع يده أو شدها، وبينما أتلقى اتصالاً من والدي، إذ مرت دراجة نارية مسرعة، وشدت هاتفي من على أذني، وفرت مسرعة، حاولت اللحاق به، وصرت أناديه كالمجنون، أرجوك توقف، عُد ونتفاهم، دعني أقص عليك ما سيحدث إن علم أبي بالأمر، إنه معك على الهاتف، يمكنك أن تسأله، بقيت هكذا حتى توارى من أمام عيني، شعرت وقتها أني فتاة ساذجة جاءها أحد وقال لي: تعالِ أريكِ تمساحاً جميلاً فوق السطح، رغم أن التماسيح مخيفة ولا تسكن الأسطح، حتى حكم اللون الأحمر على عذريتي، وخشيت هنا أن أواجه أبي بالعار، رغم أني خُدعت؛ لأني ساذجة، وكلنا في الحياة، بشكل أو بآخر.. سذج!

بعد أسبوع من سرقة هاتفي الثالث، تأخر أبي في العودة من عمله في وقته المعتاد، أبي الذي يشغل أمين صندوق لإحدى المؤسسات، تعرض لسرقة حقيبته من قبل لصّين وغدين، ترصدا لحظة خروجه من البنك لسحب مبلغ من حساب الشركة، وباغتاه بدراجتهما النارية أثناء فتح باب سيارته، وشدا حقيبته من بين يديه الضعيفتين، هكذا قال أبي لأمي عبر الهاتف بنبرة مهمومة هزيلة.

عمَّ المساء، وعاد أبي بعد ساعات من التحقيق في قسم الشرطة، سألته، كيف يُسرق منك مبلغ كبير كهذا وأنت الذي دائماً ما توصينا بالحرص؟ أجابني بلهجة متماسكة بأنه في لحظة فتحه لباب السيارة، أي في أقل من ثانية، باغته لصان عبر دراجة نارية، وأنه أخطأ حينما أوقف مركبته باتجاه الشارع بعد أن تكاسل في إيجاد موقف مناسب لسيارته، ثم ختم بأن للقدر حكمة، وقد حكم القدر هنا، ولا يمكن أن نرده.

أخبرت أبي أن تلك اللحظة من الثانية هي التي دفعت أحدهما ليدس يده في حقيبتي، وأن الخطأ في إيقاف سيارته باتجاه الشارع هو ذات الخطأ الذي ارتكبته حينما تركت هاتفي على الطاولة ظناً أنني في مكان وبلاد لا تعرف شيئاً عن السرقة، وأن لحظة فتحه لباب سيارته هي ذات اللحظة التي رن فيها هاتفي وغافلني أحدهما وشد هاتفي من على أذني، وأن حكم القدر هو ذاته الحكم الذي يصيبنا جميعاً.

ثم تابعت: حقيبتك كما هي في خزانتك، أنا من فعلت ذلك، لا لأتحداك يا أبي، فقط لأريك أن مثل هذه الأمور تحدث ببساطة، ولأنك رجل لطيف، وأنا فلذة كبدك، ستسامحني أليس كذلك؟ هيا ابتسم يا حبيب قلبي، واقترب لأقُبلك هيّا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.