المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد عبد المنعم محمد Headshot

طفل حلم بالمحروسة

تم النشر: تم التحديث:

أتذكر وأنا في السابع من عمري.. يعود والدي من عمله... فأجري عليه وأتعلق في قدمه.. وأنظر له بشغف وحب.. يقبلني ويطلب مني أن أعود للمذاكرة مرة أخرى.. أقول له: بماذا ستوعدني تلك المرة لكي أنجز ما ورائي؟ يبتسم لي ويقول: سنسافر سوياً إلى القاهرة كما تحب... يعلم أبي أنني أحب السفر بجانبه، أحب أن أراه وهو يصف تجاربه كتاجر في شوارع المحروسة، ويصف لي تاريخ المحروسة أيضاً.

تمنيت يوماً أن أعيش في ركن من أركان تلك الذكريات وأترك طنطا، وأصنع تاريخاً هنا في القاهرة كما صنعه أبي.. فكان أبي لي خير قدوه لحلمي وشغفي.. وكان حلمي وردياً.. لا يعرف للزمان حدوداً ولا يعترف بالظروف.

ولكن في يوم وليلة تحولت كل تلك الأحلام الوردية إلى كابوس، حين كنت في السادسة عشر من عمري، حينما رأيت ذلك القلم على وجه أمي، كانت صدمة هزت كل ما حمله قلبي لأبي، أصبحت أخشاه كلما رأيت الدموع في عين أمي، لم يكن هو أبي الذي اعتدت أن أراه مرحاً حنوناً عليها قبلي أنا.. انتهت السكينة بينهما وازداد الأمر سوءاً، أصبحا يتشاجران يومياً، وأصبح أبى عصبيا، لا يتحمل شيئاً، حتى انتهى الأمر بينهما بالطلاق.

أنتِ طالق.. لم تكن مجرد كلمة خرجت من فم أبي، بل كانت قذيفة هدمت كل شيء جميل في هذا البيت.. وقبل هذا هدمت كل شيء داخلي... أصبحت مشوهاً.. لا أعرف من هذا.. هل هذا أبي الذي كان يحتضني صغيراً؟.. ماذا حل به؟... ماذا فعلت أمي لكل هذا؟! أسئلة كثيرة بدأت تتوارد في ذهني لا أعرف لها إجابة سوى الخوف اللامع في عيني.. اختفى أبي وهنا أصبحت أخشى العالم.

كانت أمي تجلس بجانبي وتحتضني.. وكأنها كانت تقول لي: لم يبق لي في هذه الدنيا سند سواك... وكأنها كانت تحاول أن تلملم ما كسر بداخلها.. بما تراه من أمل في عيني... ولكن هذا الأمل كان زائفاً أهرب به من عين أمي التي تعرف من نظره، ماذا يدور بداخلي.. أهرب به من تلك الحفرة السوداء الذي صنعها أبي القدوة لي...

"الآن يا أبي أصبحت أسافر وحدي.. وأبكي عند كل حكاية أمر عليها وتذكرني بك... اختفيت للسنة الثانية على التوالي، ولم تسأل، وكأنك لم تكن هنا يوماً وكأنك لم تزرع نبتة في هذا المكان، وتركتها الآن تموت عطشاً واشتياقاً لك... لا أعرف كيف أصبحت ملامحك الآن.. ولا كيف طاوعك قلبك أن تختفي عنا كل هذا دون أن تسأل ماذا حل بنا؟... هل تتذكرني كل ليلة كما أتذكرك؟.. هل تعرف حجم ذلك الجرح الذي تركته داخل أمي التي عاشرتك منذ ثمانية عشر عاماً.. أتعلم يا أبي أمي لم تترك زهرتك تموت؟... عملت لتكمل لي ما بدأته أنت.. لم تشعرني يوماً بأنك لست هنا... أرى الحزن في عينيها.. وأرى الدموع التي تخفيها عنى كي لا أشعر بالضعف... أتعلم ماذا فعلت داخلي... أعتقد أنك لن تعلم أبداً".

كنت أجلس مع نفسي وأكتب تلك الرسائل لأبي، وكأنه سيقرأها يوماً ما.. وأنا أعلم أن هذا لن يحدث.. تمر السنون وأتخرج في الجامعة.. ورغم هذا لا أجد أبي.. حاولت البحث عنه، ولكن لا أعرف أي أرض وأي فصل من الرواية يحتويه... قد يكون ذلك المجهول الذي اعتاد أن يتصل ليسمع صوتي ويغلق الهاتف.. ويخيل لي في بعض الأوقات أنه يراقبني من بعيد ويعلم عني كل شيء.. ولكنى لم أعد أهتم.. اعترفت لنفسي منذ رحيله أنه لم يعد هنا وأنني يجب أن أسير الطريق وحدي.

اليوم أرحل إلى القاهرة.. لأصنع ما حلمت به ذات يوم، ولكن هذا الحلم الوردي لم يكن سوى كابوس... فقد تركنا أبي عرايا لا نحمل للزمن ما نستد به حتى نمر من

أزمتنا.. أصبحت أموالنا على قدر قوت يومنا.. والتعب أصبح يأكل من عمر أمي كل يوم بسرعة... ولا أعرف ماذا أعمل.. أذهب إلى القاهرة للبحث عن حلمي وأعود خائباً.. مرة تلو الأخرى... في الأخير أجلس على النيل وأحادث نفسي.

"الآن يا أبي تمنيتك هنا، تمنيتك سندي الذي أواجه به العالم، وأن أعود خائباً وتشد من عودي لأصنع تاريخاً هنا.. ولكنك لم تحك لي عن قسوة تلك الأرض، ولا أعرف كيف وصلت إلى تلك الحالة.. فالقاهرة أصبحت تختنق ولا تصلح حلماً لأحد.. وتمنيت أيضاً أن تسند تلك البريئة مما حملتها دون ذنب... ولكن لا شيء يفيد تركتني بلا خيار طفل ساذج حلم بالمحروسة... أواجه كل الصراعات والمخاوف داخلي وحدي بكلمة واحدة منك "أنتِ طالق" تلك الكلمة لم تكن قرارك وحدك كان يجب أن تفكر قبل أن تهدم ذلك البيت.. أفكر كم أباً هدم أسرة.. وكم صبياً واجه العالم وحيداً.. لا أعرف لماذا أتذكر كل هذا الآن! ولماذا تدور السنون والذكريات في عقلي؟!

لم يجِب أحد في يوم عن أسئلتي كنت أشكو الناس إليك، وتنصحني والآن أصبحت أنت الشكوى، وسر وجعي الذي أخفيه عن العالم، وأنا مبتسم، وأجلس في مكانك المفضل على النيل "لعلي ألقاك"، أجد من يقطع سرحاني ويضع يده على كتفي، فأضع يدي على يده وأقول بثقه "أبي"، وأنا ألتفت بنصف ابتسامة وعين مليئة بالدموع.. ولكن تعود نظرتي خائبة.. كان عجوزاً يريد أن يستند على شبابي.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.