المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد عبدالعظيم Headshot

القمة العربية وبنك الحظ

تم النشر: تم التحديث:

كل ليلة خميس أجتمع أنا ورفاقي لنلعب، فنرمي النرد وعيوننا تلمع لنرى إلى أين يأخذنا الحظ، هل أذهب إلى القدس أم ترى تكون بغداد هي الوجهة؟ هل أدفع غرامة مروري بإحدى مدن أصدقائي أم يكون الحظ لي حليفاً ويدفعون هم لمرورهم بمدني؟ ننتظر ماذا سوف تكشف لنا أوراق الحظ، ونتهيب من محكمة قد تجعلني (أذهب إلى السجن حالاً).. فتلك هي قواعد بنك الحظ.

لم يكن يعنيني أصل تلك اللعبة، ولا من أين جاءت، عندما كبرنا عرفنا أنها لعبة من أصل غربي تسمى (مونوبلي)، لعبة بُنيت على أفكار ونظريات رأسمالية، اختير اسمها من الاحتكار، لم أستمتع بالأصل الغربي، لم تكن بمتعة نسختي المصرية، كانت غريبة علينا، فمَن يستبدل بيروت بجادة نورثمبرلاند؟ بل أين تقع تلك الجادة أصلاً؟ وأين هي منطقة وايت هول تلك التي استبدلوها بعمان؟ لم ترُق لي وإن راقت لغيري.

عندما نقلنا تلك اللعبة من إنكلترا إلى مصر لم نسمِّ خاناتها ومربعاتها على أسماء الشوارع والأحياء القاهرية، بل تم اختيار أسماء المدن الأشهر في الوطن العربي، فنستطيع أن نقول إن تلك اللعبة تمتاز بقدر من العروبة بنفس ما تمتاز به جامعة الدول العربية.. حِبر على ورق.

كانت تلك اللعبة هي الوسيلة الوحيدة لتتجول بمركبتك بين أرجاء الوطن العربي دون أن تحتاج إلى تأشيرة أو جواز سفر، فقط كان النرد كفيلاً بأن يكون تأشيرتي وجواز سفري.

فإن قادني الزهر إلى غزة لن أجد مَن يستوقفني عند معبر رفح ويطلب مني الموافقة الأمنية، وإن قررت الارتحال من دمشق إلى عمان فلن يُطلق عليَّ لقب لاجئ.

لكن الآن وأنا أنظر لتلك اللعبة أتعجب من أنها لم تتغير بعد، بل أتعجب من أعلام الدول تحت المدن، ألم يحِن لنا أن نضع أسلاكاً شائكة ومعبرين على غزة، ألا يجب أن نضيف خانة جديدة لتل أبيب، أوَليست خانة مؤثرة في صراع اللعبة؟

ولنترك بيروت في حالها، ولنحمد الله أنها وجدت لها رئيساً يحكمها، ويكفيها صراعاتها بين قواها التي لا تنتهي بين قوى آذار وأيلول وحزب الله وما إلى آخره، فتلك الدولة التي يتناسب كم مشكلاتها عكسياً مع مساحتها.

وماذا عن دمشقنا التي صارت فارسية وحلبنا التي صارت روسية؟ ألم يحِن أن نغيّر لون خانة حلب إلى الأحمر، لون الدم الذي يخضب أراضيها؟!

وإلى بيت الحكمة وأصلها.. اليمن، ولنترك صنعاء وعدن ولنلتقِ في الكويت لنعرف على ماذا استقر الإخوة الأعداء في وطنهم، وهل يا تُرى يكون الحل في الكويت أم يكون بين الرياض وطهران؟ حقاً أين طهران كيف لا نجد لها خانة هي الأخرى وهي التي رفعت علمها على نصف خانات اللعبة.

وإلى بلاد الرافدين وبلاد الأكديين والسومرين والبابليين والآشوريين، إلى تلك البلاد التي عرفت العالم الحرف وسنَّت أول قوانين البشر، إلى البغداد التي قيل إن مَن لم يرَها لم يرَ الدنيا، سلام على بلاد كانت حاضرة الأمم حتى غزاها مغول العصر وأكمل دمارها أبناؤها.

وماذا عن بنغازي التي ما زالت تكتسي بخضار الأخ القائد في رقعة اللعب، يبدو أن مصنعي اللعبة لم يصل لهم أخبار ربيعنا العربي بعد، لكن إن غيَّرنا الرايات فلمن ندفع عن مرورنا ولأي حكومة؟ اندفع لحكومة الوفاق في بلد لا يتفق أم ندفع لمشيرنا الحفتري؟

وكيف نمر بخانات تلك اللعبة وننسى قاهرة المعز، وهل هي حقاً قاهرة؟ ولمن تكون قاهرة أهي ما زالت قاهرة لأعدائها أم تُراها صارت قاهرة لأحلام قاطنيها، قاهرة لأبنائها في سجونها، قاهرة لثورة قامت هي بها على نفسها؟!

ولنسترح في طريقنا الطويل هذا في الخانة التي لا تتغير ولا يعنيها سايكس - بيكو ولا يقدر عليها داعش، ولا نتعجب إن أضافوا خانات أخرى لها حتى تتسع، فخانة السجن في أوطاننا لم تعد تكفي قاطنيها.

ولا داعي للحديث عن نزاهة لعبتنا، فنحن نرمي النرد، ولكنه نرد أميركي، ونختار أوراق حظ ومحكمة مرتبة سابقاً.

في ذلك المستطيل ألا أجد للمطار خانة؟ ألا أجد ميناء بحراً كان أو جواً، ينقلني خارج تلك الرقعة البائسة؟!

ولنشجب ونعقد مؤتمرات ونتجمع كما اعتاد زعماؤنا، ولنقِم جامعة لدول بنك الحظ، ولننتظر لعل شجبنا واعتراضنا وبياناتنا تحدث تغييراً وإن كنت لا أعتقد.

وإلى الذين اجتمعوا عند ذلك البحر الميت.. سلام آل دار منكرون.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.