المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد عبدالعظيم Headshot

لهذه الأسباب لن أُكمل نصف ديني

تم النشر: تم التحديث:

كتب الدكتور جلال أمين في كتابه "ماذا حدث للمصريين؟": "لا أذكر أنني في خلال سنوات الأربعينات أو الخمسينات حضرت حفل زفاف واحداً في فندق من الفنادق، كانت الأفراح تعقد في بيوت أصحابها، فإذا ضاق البيت عن استقبال المدعوين أُقيم سُرادق في الحديقة أو فوق سطح المنزل، مما يسمح باستقبال أي عدد من الناس.

لا أذكر أيضاً أني رأيت أي آلة تصوير في أي فرح في ذلك الزمن، كان العروسان يذهبان قبل الزفاف أو بعده إلى محل التصوير، فيلتقط لهما بعض الصور التي تُبروز بعد ذلك وتعلق على الحائط إلى الأبد، فلم يكن اقتناء آلة للتصوير يعتبر بعد شيئاً مألوفاً، بل إن الموسيقى نفسها لم تكن تلعب دوراً مهماً في حفلات زفاف الطبقة الوسطى".

وبإسقاط تلك الأمور التي تحدَّث عنها أمين في كتابه الذي كتبه في التسعينات على واقعنا، سنجد أن تصوير العرس فيديو أو إقامته في قاعة هي من الأمور الطبيعية أو من الممكن أن نقول إنها من المُسلمات، ولكن لو اطلع الكاتب على الغيب لرأى أن الأمر قد اختلف، وأصبحت الأمور أكثر تعقيداً وتكلفة، فلم يعد يقتصر التصوير على حفلة الزفاف، بل أصبح هناك جلسات تصوير داخلية وخارجية قبل الزفاف؛ بل وحتى في حفلة الخطوبة.

بل ولم يعد استخدام قاعات الفنادق مقتصراً على إقامة العرسُ، بل أصبحت حفلات الخطوبة تعقد أيضاً في قاعات.

لن أستطرد في سرد تجهيزات الأفراح العديدة المكلفة التي لن تنتهي، بدءاً بثوب الزفاف weeding accessories، انعاطفاً عند makeup، مروراً بالـartist وأشياء أخرى حقاً لم أجد ترجمة عربية يسيرة وشائعة الاستخدام للتعبير عنها.

قد تتكلف إقامة عرس في مصر مبالغ تتراوح بين عشرة آلاف جنيه وانتهاءً بمبلغ يتكون من سبع خانات، هذا ونحن نتحدث فقط عن العرس، ولم نتحدث عما سبقه من تجهيزات أخرى من الشقة وتجهيزها، والأثاث، والأجهزة الكهربية، والمفروشات والستائر، ولا ننسَ الستائر، فهي بند رئيسي بتكلفة مستقلة، ولا نستطيع التغافل عن الشبكة والمهر وحفلة الخطوبة، وثوب حفلة الخطوبة هو الآخر، وبدلة الخطوبة ذات رابطة العنق التي لا بد أن تتوافق مع لون ثوب حفلة الخطوبة، فإن لم يحدث فلن تتم تلك الزيجة "اللهم لا اعتراض".

ليقنعني أحد ويتحدث معي بالمنطق والعقل، وإن كنت لأشك أن أحداً سوف يقدم على أمور كتلك، وبذلك القدر من المبالغة والتغالي يمتلك أي قدر من المنطق.. لماذا أتزوج؟!

نعم أنا على قناعة تامة أن لا أحد سوف يتضرر من زواجي أو عدمه، وأحمد الله أني رجل، وجملة "مش هنفرح بيك بقى" لا تمثل لنا كذكور نفس القدر من الأهمية والإزعاج التي تمثله للإناث، ولكن إذا تناقشنا بذلك الأمر على نطاق أوسع وتعاملنا معه على أنه مشكلة اجتماعية أكثر منه مشكلة خاصة، وهي بطبيعة الحال مشكلة اجتماعية عملاقة، لكننا نفضل دفن رؤوسنا في الرمال.

أول الأمر لنفهم كيف لشاب في مقتبل العمر أن يحصل على كل تلك الأموال بسهولة؟ وإذا افترضنا حصوله عليها سواء بمساعدة الأهل أو بالاستدانة أو الادخار، أو بأي وسيلة أخرى، ما الحكمة من إنفاق ذلك الكم الهائل من الأموال على تلك الأمور التي لن تعود بفائدة؟ مثلاً ما الحكمة من إيجاد غرفة للأطفال قبل الزواج أصلاً وتحمل نفقاتها؟ بل ما الحكمة من ضرورة وجود 100 منشفة و50 طقم سرير؟ متى سوف يتم استهلاك كل تلك المفروشات التي تكفي لتجهيز مشفى لا شقة لعروسين؟ وما الداعي من تلك الخزانة المسماة "النيش"؟ حاولت جاهداً أن أجد إجابة لذلك السؤال، لكني لم أجد له إجابة.

وما الغاية من تأجير قاعة بمبالغ ضخمة أو حتى مبالغ زهيدة لقضاء ساعتين من الصداع بسبب أصوات مكبرات الصوت؟ وما الحكمة من كعك الزفاف ذات العشر طوابق؟ وما الفرحة المبالغ فيها في زفة السيارات المزعجة غير تعطيل المرور؟

أعلم أن أسئلتي تلك قد تكون غير منطقية، وأن الإجابة الواقعية الوحيدة أنه "انت عايز الناس تقول علينا إن إحنا مش قد المقام".
وطبعاً يعد النقاش في ذلك الأمر من النقاشات السفسطائية، وإذا تحدثنا عن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من يُمنِ المرأةِ تسهيلُ أمرِها، وقلَّةُ صداقِها"، فيكون الرد المفحم أن تلك الأمور حتى تُبين قيمة العروس والعريس أمام الناس، وأن ابنتنا لن تكون أقل من بنت خالتها أو قريباتها، وطبعاً إذا تناقشت أكثر فسوف يكون الرد المفحم: "ما عندناش بنات للجواز".

لا أدعو إلى إلغاء المهر والشبكة وجهاز العروسين... إلخ، ولكن أدعو إلى أن نلتزم بكل تلك الأمور، ولكن بالمنطق بما يجعل من الزواج أمراً ممكناً، فقد فطرنا الله وجعل من الزواج أمراً طبيعياً فطرياً، فلا داعي لكل تلك التعقيدات.

يجب أن نفهم أن الزواج من أساسيات الحياة، وليست من كمالياتها أو رفاهيتها.
وصدق الله العظيم حين قال في كتابه: "وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ".

وفي الختام.. أتمنى للجميع إتمام نصف الدين الثاني، وأنا أتكلم عن النصف الثاني هذا إذا كان النصف الأول موجوداً أصلاً.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.