المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد عبدالعظيم Headshot

مصر التي ليست أحسن من سوريا والعراق

تم النشر: تم التحديث:

إيلان الكردي هو ذلك الطفل الصغير السوري الجنسية الذي مات غرقاً أثناء محاولة العبور إلى أوروبا مع أهله، كانت صورة ذلك الصغير صاحب الثلاثة أعوام بقميصه الأحمر وبنطاله القصير الأزرق وهو مستلقٍ على بطنه جثة هامدة على شاطئ بحر إيجة في تركيا كفيلة بوخز ضمير العالم وإن لم تكن كفيلة بإيقاظه بعد، انتشرت صورة إيلان وحرَّكت الرأي العام العالمي بمشكلة اللاجئين.

ولكن في مصر كان الوضع مختلفاً، فقد رأت وسائل الإعلام المصرية في تلك الصورة ما لم يرَه العالم، لم ترَ مشكلة اللاجئين أو الكارثة الإنسانية المسماة سوريا، بل كان تعليقها أن إيلان هو طفل فقد جيشه، ولهذا فقد كان هذا مصيره، وأن بكل ما بمصر من مشكلات فهي أفضل من سوريا والعراق، في رسالة مبطنة مفادها أن نتحمل حتى تتحسن الأمور، وإن لم تتحسن الأمور بل وإن ساءت فلنتحمل حتى لا تصبح مصر مثل سوريا والعراق، وحتى لا يلقى أبناؤك مصير إيلان فلنتحمل في صمت.

منذ عدة أيام صُعقنا في مصر بخبر هز أرجاء من احتفظ بقدر من الإنسانية، فقد غرق مركب قرب السواحل المصرية برشيد، ذلك المركب الذي كان يحمل المئات من المهاجرين غير الشرعيين من مصر إلى البر الآخر من العالم إلى أوروبا، بحثاً عن الحياة ولقمة العيش.

غرق مركب الأحلام براكبيها، هوى إلى الأعماق حاملاً معه أحلامهم وأجسادهم، غرق ولم يتم إنقاذ سوى 163 شخصاً أغلبهم تم إنقاذه بواسطة مراكب الصيادين من أهالي رشيد، فنحن في مصر نعرف أن الإنقاذ لا يأتي وإن أتى يكون متأخراً أو كما اعتدنا القول (بعد خراب مالطة).

وصلت حالات الوفيات المسجلة أو لنكن أكثر دقة وصل عدد الجثث إلى 133 جثة، حسب إحصاءات وزارة الصحة، أما الباقي فهم مفقودون لم نجد أجسادهم، فهم أرقام يضافون إلى أرقام المفقودين لعبَّارة السلام أو قطار الصعيد.. مجرد أرقام لا تعنى بهم الحكومة في سجلاتها ما لم يكونوا في أكياسهم السوداء أو في ثلاجات المشرحة.

لم تستطِع الحكومة الاحتفاظ بالصمت وإعلان الحداد ووضع الشارة السوداء على التلفاز الحكومي، فقد قررت الحكومة ألا تعلن الحداد أو الحزن، فالغرقى ليسوا في نظر الحكومة شهداء يستحقون الحداد، والجرحى ومن تم إنقاذهم مجرمون لا يستحقون أي قدر من الاهتمام.

فليخرج علينا ببزته العسكرية المموهة المتحدث العسكري لسان الدولة؛ ليعلن أن الدولة حققت انتصاراً ويتحدث عن محاولة (إحباط) لمحاولة هجرة غير شرعية، لم يكلف نفسه أن ينعى الموتى، وكأنه يتحدث عن إرهابيين أو مهربين.

أما البرلمان المصري، لسان حال الأمة وممثل الشعب، فكان نائبه الموقر إلهامي عجينة اتجه بالتصريح أن المسؤولية الأولى والأخيرة عن حادث الهجرة يتحملها أهالي الضحايا، للسماح لذويهم بالسفر، وكأن هؤلاء المهاجرين الذين قرروا خوض عباب البحار والذهاب إلى المجهول، قد قاموا بترك جنة الخلد ليهبطوا على الأرض.

وكأن النائب الموقر لا يعرف أحوال وطنه وما يعانيه من يمثلهم هو، وليته اكتفى بذلك، ولكن كان عزاؤه لأهالي الضحايا (أن الشاب المهاجر في مركب وغرق ما لوش دية وما يتزعلش عليه)، وذلك على حد قوله، لتكون مصر حقاً بلد المبكيات المضحكات، فالسيد النائب هو عضو لجنة حقوق الإنسان بالبرلمان.

أما هؤلاء الناجون الذين لا نعرف إن كان الحظ قد حالفهم بالنجاة، أم خانهم بعودتهم إلى مصر، لم يكفِهم ما تعرضوا له من فقدان الأمل والحلم والأحبة والمال واكتملت المآسي بالعودة إلى مصر، بل أصبحوا الآن مجرمين.

فالناجون الأصحاء ها هم يقبعون في غياهب السجون في رشيد، أما المصابون فهم مكبلون بالأساور الميري (الكلابش) وهم على أسرَّة المرض، وكأن الحكومة المصرية تثبت لهم أن الهروب والإقدام على تلك الهجرة الانتحارية كان الصواب.

كانت صورة الجثث التي تلقيها الأمواج على سواحل رشيد جاءت لتذكرنا بإيلان، ولكنه ليس "إيلان" واحداً بل عشرات ومئات، ولكننا لم نفقد جيشنا ونحن لم نعترض.. لقد رضينا بحياتنا وأوجاعنا وآلامنا حتى لا نكون مثل سوريا أو العراق، ولكن يبدو أن جيشنا الذي لم نفقده قرر هو أن يبادر ويفقدنا.

ولتكن أبيات سيد حجاب نعياً وموعظة: (قالوا لفرعون يا ظالم إيش فرعنك.. قال عبيدي حين نخوا تحت المظالم، اتساقوا للمرعى بيدي)، ولكن إلى أين نساق نحن في بلد الفرعون.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.