المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد عبدالعظيم Headshot

الباصات الخضراء

تم النشر: تم التحديث:

حافلتان لونهما أخضر، إحداهما تقف في موقف الرازي للنقل الداخلي الحكومي في حي الجميلية غرب حلب، وأخرى تقف وسط الركام في حي الراشدين شرق حلب، ففي شرق حلب لم تبق مواقف أو شوارع.

تحمل الحافلة الأولى، المتوقفة في غرب حلب، صورة للرئيس السوري بشار الأسد معلقة على زجاج الحافلة، وصورة أخرى على جانب الحافلة للرئيس الروسي بوتين. بينما تحمل حافلة الشرق كلمة، كثيراً ما سمعناها وقرأناها وارتبطت في أذهاننا بالقضية الفلسطينية، تلك الكلمة هي "سوف نعود يوماً".

تلك الحافلات، أو كما يطلق عليها سكان سوريا "الباصات الخضراء"، كثرت رؤيتها في الأعوام الأخيرة، فأصبحت هي حافلات الخروج والتهجير، تلك الحافلات التي يصر النظام على بقائها بلونها ذلك؛ للتأكيد على انتصاره.

يبدأ ركاب الحافلتين بالركوب والاستعداد للرحيل إلى وجهتهم، لن تلتقي الحافلتان ولن تتقاطع الطرق؛ فوجهة الأولى هي مُنطلق الثانية.

على طول طريق الحافلة الأولى لن تستمتع بالمشاهد الجانبية، فحلب لم تعد حلب، لا يتطلع ركاب الحافلة إلى مشاهدة بيوت حلب القديمة أو قلعتها العريقة أو مسجدها الأموي، فتلك المعالم أصبحت أثراً بعد عين، لن تشاهد إلا حافلات مقلوبة وأخرى محروقة، أو البيوت المهدمة وركام المساجد والمدارس، لن تستمتع بالطريق؛ بل سوف تشعر بالألم في رأسك ومعدتك جراء الحفر وآثار القذائف والألغام الأرضية، سوف يتطلع الراكب من الشرفة ليشاهد موقعاً كان لمنزل صديق أو ركاماً لبيت قريب.

أما في الطريق الذي تسلكه الحافلة الثانية، فلن يختلف كثيراً، فلون الركام الرمادي المخضَّب بحمرة الدم التي تكسو الأرض أصبح هو مزيج الألوان الذي يميز سوريا الآن.

تتحرك كل حافلة في قافلة مكونة من عدة حافلات ومركبات أخرى، ترافق القافلة الأولى سيارات عسكرية تحمل العَلم النظامي ورايات أخرى بعضها صفراء وأخرى بألوان أخرى، أما القافلة الثانية فترافقها سيارات الإسعاف وبعض السيارات المدنية، تلك السيارات لا تحمل رايات، فلا داعي لرفع راية بيضاء، فخضار الحافلات يكفي.

في كلتا الحافلتين لا يعرف ركابهما ماذا سوف يجدون، نعم هم على يقين بأنهم لن يجدوا الجنة، ولكن من المؤكد أن الخروج من حلب ليس كالانتقال من غربها إلى شرقها.

في تلك الحافلة التي لا تحمل صورة بشار، ترى الانكسار في نظرات الرجال، ترى في أعينهم كيف تضيق الأرض بما رحبت، وتعرف كيف تنهار الأحلام، فهؤلاء يعيدون تمثيل مشهد من التغريبة الفلسطينية، لكن تلك المرة لا يتركون أرضهم للصهاينة؛ بل يتركونها للفرس والروس.

فها هم يتركون بيوتهم أو ما تبقى من بيوتهم، يرحلون عما بقي على قيد الحياة من جيرانهم، يرحلون عن ركام ذكريات وقبور أحبة ودماء إخوة ما يزال سائلاً ودافئاً، فرحيلهم عن حلب كسكرات الموت، وخروجهم كخروج الروح من الجسد.

لا يعلم من خرج متى سوف يعود ليقرأ الفاتحة ويروي الصبار أمام قبر أخيه الذي قتله رصاص قناص في "الخالدية"، أو قريب رحل بقصف في "بن زيد"، لا يعلم متى سوف يعود ليسترجع راية الثورة التي خبأها تحت ركام بيته الذي علق مفتاحه في رقبته.

أما القادم من غرب حلب، فها هو يقترب ويعود ليكمل احتفاله الذي بدأه منذ عدة أيام في الغرب، احتفاله بمقتل أصدقاء وجيران أمس وإعدامهم، الذين صاروا إرهابيين بعد أن اختاروا تغيير العلم والمطالبة بالحرية، يحتفل الأول باسترداد حلب ويقسم الثاني على العودة لتحريرها.

لم يفاجئني ذلك المشهد؛ بل أعاد إلى مخيلتي ما قرأته عن تلك المجزرة القديمة منذ 30 عاماً، حين انتهك النظام حماة وقتل فيها ما يقرب من 30 ألف مدني بأمر من الأسد الأب، وبتنفيذ من رفعت العم، لم أعرف كيف وقف السوريون في ذلك الصمت المخجل عن قتل إخوانهم في حماه! كيف لم يثوروا! كيف أمكنهم التناسي! كيف استطاع سكان حلب التغافل عن ثأرهم في قتلاهم ببستان القصر وحي المشارقة والكلاسة قبل مجزرة حماه بعامين! كيف صمت هؤلاء عن حقهم وعن نصرة إخوانهم! ولكن مشهد تلك الباصات الخضر جعلني أعرف أن للشعوب حساباتها الخاصة.

يقف طفل صغير في انتظار ركوب حافلته الخضراء المغادرة إلى خارج حلب، ذلك الطفل الذي لا يتجاوز عمره أصابع اليد الواحدة، فعمره من عمر تلك الثورة، ينظر إلى مدينته، تلك المدينة التي لم يزُر يوماً قلعتها؛ خوفاً من القصف أو طلقات القناص، لم يأخذه جده يوماً ليصلي في جامعها الأموي؛ فالبراميل المتفجرة لن ترعى حرمة مسجد أو كنيسة.

ينظر ذلك الطفل إلى تلك المدينة التي لا يعرف عنها سوى أنها كانت ساحة حرب وقتال، لا يذكر فيها ذكريات غير صراخ أخته عند سقوط القذائف ودعاء أمه للراحلين ودموع أبيه عند الخروج، ذلك كل ما يذكره عن مدينةٍ اسمها حلب.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.