المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد عبدالعظيم Headshot

عن صديقي الذي فاجأنا بخطبته

تم النشر: تم التحديث:

يبدأ الحديث عن الارتباط والخِطبة والزواج وأنت في العشرينات من عمرك، ويزداد كلما زاد عمرك ويصبح جزءاً لا يتجزأ من أي حديث عندما تنهي دراستك وتبدأ في العمل، كانت تلك الأحاديث تتردد أمامي أنا وأصدقائي وكنت لا أكترث لها كثيراً، كنت أعتقد أن الوقت لا يزال مبكراً وكلما زاد عمري عاماً قررت أن أزيد عاماً على العمر الذي وضعته لنفسي لكي أُقدم على تلك الخطوة، كان البعض من حولي يتقدم للخطبة وفي السنة الماضية قد باركت للعشرات من المعارف والأصدقاء على خطبتهم، ولكن أحداً منهم لم يكن في دائرتي المقربة، وإن كانوا زملاء دراسة من نفس سني العشريني، كنت أظن أن تلك الخطوة لن تكون قريبة معي أو من أحد من أصدقائي، علامَ بنيت ذلك الحدس؟ لا شيء.

كعادتنا أجتمع أنا وأصدقائي في أحد لقاءاتنا على المقهى، لكن ذلك اللقاء كان فريداً في حواره وأجوائه، اجتمعنا لنهنئ صديقنا ورفيق دراستنا بخطبته، كنا سعداء به وفرحين له، فهو أول من أقدم على تلك الخطوة من مجموعتنا، ونستطيع القول إن خطبته تلك قد حطمت آخر الأعواد المتبقية في حزمة الطفولة.

كان اجتماعاً مختلفاً، فصديقي الآن يلبس خاتم خطبته، ويتحدث عن تطلعاته وميعاد عقد القران، وما سوف يتطلبه الزواج من أموال ووقت، ويبدأ في رسم خطوط مستقبله، لقد كبر الفتى وصار رجلاً، ولكنه لم يتغير في عيوننا فهو من عرفناه منذ أعوام، هو من قضى معنا الليالي في المقاهي ومحال الألعاب الإلكترونية (البلاي ستيشن)، جميعنا لم نتغير في عيون بعضنا البعض، ولكن الوقت هو من تغير.

كان لذلك اللقاء وقع غريب عليَّ، انتهي ذلك اللقاء لكن من المؤكد أننا رحلنا كما لم نأتِ.

بعد انتهاء سهرتنا عُدت إلى منزلي وبدأت أفكر وأطرح الأسئلة على نفسي: لماذا كنت وما زلت متعجباً تلك الليلة؟ صديقي قد خطب وهذا طبيعي، فهو شاب عشريني كما أنه شارف على إنهاء دراسته ولا يوجد ما يمنعه من الخطبة، ولكن ما أوقفني واسترعى انتباهي حقاً أننا كبرنا!! نعم هذا ما أفزعني، لم أشعر أننا كبرنا فما زلت أتذكر أيام الثانوي والمرحلة المتوسطة وكأنها بالأمس، وإن كانت قد مرت عليها سنوات.

توقفت قليلاً لأتذكر حواراتنا وكلامنا أنا وأصدقائي، لقد تغير واختلف عما كان قبل ذلك، لم يعد محور الحديث عن المباريات والبرامج الفكاهية وغيرها من تلك الأمور، بل صار مَن يتكلم عن إنهاء أوراقه لدخول الجيش وآخر يتكلم عما يلاقيه في عمله، وثالث يتحدث عن إعداد أوراقه للسفر إلى الخارج، لم نعد صبية فجميعنا في العشرينات وبعضنا أنهى دراسته، وآخرون في أواخر سنوات دراستهم، وبعضنا يعمل الآن.

عندما كنا أطفالاً كنا نتطلع إلى أن نكبر ونصير رجالاً، وها نحن الآن نخرج من طور الطفولة الأخير إلى طور المسؤولية، من طور كيفية قضاء أوقات الفراغ إلى محاولة إيجاد أوقات للفراغ، من أخذ الأموال إلى البحث عن العمل لإيجاد الأموال، انتقلنا من التفكير في المستقبل فقط إلى التفكير والتنفيذ على أرض الواقع، انتقلنا من أن نُسأل ماذا تريد؟ إلى أن تكون إلى ماذا أصبحت؟

لقد صرنا على أعتاب المرحلة الأولى من حياتنا كمستقلين، كأشخاص تنتمي لنفسها تعيش من قوت يومها وتفكر في مستقبلها، واسمحوا لي أن أتحدث بصيغة الجمع، فأنا لا أتحدث عن هاجس يراودني وحدي بل عن أمر يشغل بال الكثير والكثير.

البعض يرى أني أضخم الأمور، ولكني أضعها فقط في نصابها، وأسعى للتفكير العقلاني بها، تلك المرحلة ليست كمرحلة الانتقال من الثانوية إلى الجامعة، بل هي مرحلة مختلفة تختلف عما قد واجهته سابقاً.

نعم أعلم أننا في مرحلة ربيع العمر، ولكن ذلك الربيع يأتي برياحه وأتربته وعواصفه، قبل أن تتفتح أزهاره وتثمر أشجاره.
نعم ما زالت فكرة الارتباط وتحمل المسؤولية تؤرقني، وخصوصاً أننا نعيش في آخر مكان من الممكن أن يدعمك عند اتخاذ تلك الخطوة، بل إنه لن يدخر جهداً في وضع العراقيل ومحاولة إضعافك وكسرك، فذلك هو الحال في مصر، ومع الوقت يصير الحال للأسوأ لا إلى الأفضل، ولكن ذلك ليس وحده ما يقلقني، فقطع علاقتي الأخيرة مع مرحلة الطفولة والحرية وانتمائي الكامل لمرحلة المسؤولية هو أكثر ما يؤرقني، نعلم أعلم أن تلك اللحظة التي سوف أكون فيها مسؤولاً عن أسرة وعائلة وعمل سوف تأتي عاجلاً أم آجلاً، ولكني أسعى إلى تأخير قدومها قدر المستطاع، فالارتباط يمثل تنازلاً عن بعض استقلاليتي وأفكاري، يمثل تغيير نمط حياتي وطريقة تعاملي مع الواقع، كما أن تلك المسؤولية تجعلني أتخوف من أن تكون حاجزاً بيني وبين تحقيق طموحي والمغامرة من أجل المجهول.

لا أعرف إن كانت تلك هواجسي من أمر لا أعلمه، فالإنسان عدو ما يجهله، أم أنها معركة علينا جميعاً خوضها.

هنيئاً لك صديقي تلك الخطوة الشجاعة التي أغبطُك على شجاعتك لاتخاذها، وإن كنت سوف أبذل قصارى جهدي لتأخيرها قدر المستطاع.

صديقي العزيز.. لقد فرحت لفرحك وسعدت لسعادتك، ولكني حزنت لأننا كبرنا وأصبحنا الآن من حاملي المسؤوليات، ولم تعد امتحانات الجامعة ومباريات الدوري الإسباني أكثر ما يشغل بالنا.

لقد أصبحنا رجالاً ولكننا كنا آخر مَن يعلم.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.