المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد عبدالعظيم Headshot

العساكر.. فيلم لم يُصنع للمُشاهد

تم النشر: تم التحديث:

أعلنت "الجزيرة" عن عرض فيلم العساكر، وهو فيلم يتكلم عن التجنيد الإجباري في مصر وحجم المعاناة التي يواجهها المجندون.

توقعنا أن يكون الفيلم على قدر عالٍ من الاحترافية والمستوى المعلوماتي، خاصة أن الفيلم من إخراج وإعداد عماد الدين السيد، الذي سبق أن أخرج فيلم "المندس"، ذلك الفيلم الذي لقي اهتماماً وقبولاً لدى كثير من المشاهدين، وكان يحتوي على كم من المعلومات الجديدة وغير المتوقعة، وبالعودة إلى فيلم العساكر الذي أذيع الأحد 26/11 على شاشة الجزيرة في تمام الساعة التاسعة، فلقد كان الفيلم أقل من المتوقع بكثير، بل في وجهة نظري الشخصية أعتقد أنني قد أضعت تلك الساعة في مشاهدته.

لا أعرف لمن أُعد ذلك الفيلم، لكن بكل تأكيد لا يبدو أن ذلك الفيلم مقدم إلى المُشاهد المصري، فالفيلم لم يقدم تقريباً معلومة واحدة جديدة للمشاهد المصري، فالفيلم تحدث عن معاناة التجنيد الإجباري، مع العلم أنه لا يوجد بيت في مصر من أسوان إلى الإسكندرية لا يوجد به شاب تقدم أو على وشك التقدم للتجنيد الإجباري، أو حتى جار أو صديق إلا وقد مر بتلك الفترة، نعم لا أنفي أن بعض مراحل التجنيد الإجباري قاسية وشرسة، ولكنه جيش بالأول والأخير، كما أن القائمين على الفيلم قد سلَّطوا الأضواء على أمور معروفة أصلاً لدى المشاهد.

الفيلم

الفيلم حاول إظهار التجنيد الإجباري في مصر على أنه سنة من العنف والقسوة والمعاملة غير الآدمية، ابتداء من الكشف الطبي، وتركيزاً على جزء الكشف عن الأمراض التناسلية، مع العلم أن الكشف الطبي للكليات العسكرية، سواء الشرطة أو الحربية أو الدفاع الجوي وغيرها لا يختلف كثيراً عن الكشف الطبي للمجندين، كما أن ذلك الكشف لا يعد إهانة بالطريقة التي حاول الفيلم إظهارها، فأنت تكشف أمام طبيب وليس أمام صف ضابط، كما أن كشف الأمراض التناسلية ليس فقط لإثبات رجولتك، كما حاول الفيلم إظهار ذلك، بل للكشف عن باقي الأعضاء التناسلية والبواسير.

كما تحدث الفيلم عن ضعف الكفاءة القتالية للجيش وأفراده، دون الاستناد إلى أي إحصاءات دولية أو عالمية.

وحتى لا نجحف الفيلم حقه، فقد سلَّط الضوءَ على أمور مهمة مثل حجم اقتصاد الجيش، وحجم أعمال جهاز الخدمة الوطنية للقوات المسلحة، وإن كانت تلك المعلومات معروفة سابقاً، وعلى نطاق أوسع وأكثر تعمقاً.

لماذا كل هذا الصخب حول الفيلم؟

الفيلم لم يخُض في أمور حساسة وأسرار عسكرية، بل حتى مستوى النقد الذي قدمه للمؤسسة العسكرية المصرية كان ضعيفاً جداً إذا ما تمت مقارنته بأفلام سينمائية منتجة في مصر مثل "البريء" للراحلَين أحمد زكي ومحمود عبدالعزيز، أو فيلم "وراء الشمس" للراحل رشدي أباظة، وتلك أفلام التي انتقدت النظام العسكري، وسلَّطت الضوء على مساوئه، كما أن فيلم "الإرهاب والكباب" لعادل إمام أظهر معاناة جنود ما يطلق عليهم "السيكا" أو "المراسلة"، لكن الوقت قد اختلف، فمصر ترفض النقد أو حتى الحديث عن المؤسسة العسكرية التي تُعتبر درع الوطن وحامية حماه، بل تعتبر أن محاولة النقد أو الاعتراض خيانة لا تغتفر بصورة لا يمكن تخيلها، كأن الجيش مؤسسة كهنوتية من القرون الوسطى، ولذلك كان الفيلم بمثابة استفزاز مباشر، هذا بالإضافة إلى أن الفيلم جاء من مؤسسة "الجزيرة"، صاحبة العلاقات السيئة إلى أبعد الحدود مع مصر ومؤسساتها الإعلامية، كما أن علاقة الإخوان المسلمين، الخصم المباشر للمؤسسة الحاكمة في مصر الآن بقطر، جعلت الأمور تزداد سوءاً.

الدعاية للفيلم

لم يكن الفيلم ليحظى بهذا القدر من المتابعة والمشاهدة لولا الحملة الإعلامية المكثفة التي شنَّتها الأذرع الإعلامية للجيش ومؤسسة الرئاسة في مصر، تلك الحملة التي سلطت الأضواء على الفيلم أكثر مما سلطته الجزيرة نفسها، فتلك المؤسسات الإعلامية قد عملت على تشويه الفيلم والقضاء عليه، ولكنها كانت أحد أكبر أسباب نجاح الفيلم، وأعتقد أن على القائمين على الفيلم توجيه الشكر للإعلام المصري على تلك الحملة.

الفيلم لمن؟

توقعتُ قبل مشاهدة الفيلم أن يرتقي إلى برامج الجزيرة الاستقصائية، مثل "سري للغاية"، ولكن الفيلم كان مخيباً للآمال بكل المقاييس، ولكن ردود الفعل بعد عرضه، وكذلك التحفز والهجوم الشديد على الفيلم وصانعيه قبل عرضه مِن قِبَل الحكومة المصرية، والمؤسسات الإعلامية المصرية المقربة من الجيش المصري ومؤسسة الرئاسة، أوضحت أموراً كثيرة، فقد أكدت أن الفيلم في المقام الأول لم يكن يناجي المشاهد، بل كان يناجي المؤسسة العسكرية الحاكمة، ويحاول استفزازها، والدخول لأماكن يُعد الاقتراب منها محظوراً لتلك المؤسسة، وهذا قد نجح فيه الفيلم بشدة، أما المشاهد العادي فكان في المقام الثاني.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.