المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد عبدالعظيم Headshot

عندما نفد رصيدي

تم النشر: تم التحديث:

لم أكن أنتمي إلى ما نطلق عليه في مصر "حزب الكنبة" و"الكنبة" في مصر هي الأريكة، وأعضاء هذا الحزب هم من يستمعون إلى البرامج الحوارية ويقرأون الصحف أثناء جلوسهم على الأريكة دون إبداء وجهة نظر أو تعليق أو مشاركة على أرض الواقع، فهم لا يشتركون في الفعل ولا يواجهون برد الفعل، فهم مجرد متفرجين على مسرح الواقع، يتركون مستقبلهم وحاضرهم في أيدي الحاكم والنخبة سواء مؤيدة أو معارضة.

لم أنتمِ إلى ذلك الحزب يوماً، وطوال فترة اشتعال الأحداث السياسية في مصر في الخمس سنوات السابقة حاولت أن أكون مؤثراً، حاولت أن أعبر وأتفاعل، سواء بالنزول في الشارع أو التدوين على المدونات وصفحات التواصل، أو حتى الاشتراك في النقاشات على المقاهي وفي المواصلات.

لم أتقبل يوماً أن تمر الأمور والأحداث عليَّ كما تمر على أهل دار منكرين، كنت أسعى للفهم والنقاش والحوار حتى أكوّن وجهة نظري وأعلن اعتراضي أو تأييدي.

لم أرضخ لنظرية "كبَّر مخك" تلك النظرية المصرية المريحة، وحتى عندما ضاقت علينا الشوارع وكُممت الأفواه وصار النقاش والاعتراض غير ممكن، لم أقبل الاعتراض الصامت الداخلي، بل قررت الاستمرار في التدوين فهو منفذنا الأخير.

ولكن مع الوقت ومع ازدياد التضييق وسوء الأحوال وارتفاع حالة الصمت العام، وبعد أن سُحقت الطموحات وانهارت الأحلام، فقد صِرتُ كمن يحرث في البحر، أصبت بحالة من اللامبالاة، حاولت جاهداً أن أقاوم هذا الشعور، وأن أقنع نفسي بأن الاعتراض والمقاومة ليست مهمة الجميع، فهي وظيفة الكتلة الحرجة التي لولاها لما يحدث الانشطار ولن تنطلق الطاقة، ولكن مع كل تلك المبررات التي أقدمها لنفسي لم أستطِع الانتصار على سياسة عدم الاكتراث.

في بعض الأوقات صِرتُ أتعجب من نفسي وأتعجب كيف صرتُ إلى ما أنا فيه، فلم أعد أكترث بما يحدث حولي، وبما أدور أنا في فلكه، حتى المشكلات التي تؤثر في حياتي تأثيراً مباشراً مثل ارتفاع الأسعار ونقص الدواء ومشكلات الحياة اليومية التي لا تنتهي في مصر لم أعد أُعيرها مقدار الأهمية المطلوب، صرتُ أسعى للتكيف معها، والوصول إلى معادلة تُفضي إلى نتيجة أطبقها في حياتي، لم يعد يعنيني أصل المشكلة، ومَن المسبب لها، وما هي الحلول الممكنة، كل ما صار يعنيني كيفية الوصول إلى حل مؤقت لأتعايش مع الواقع.

لقد نفد رصيدي ومقدرتي على الاهتمام والاكتراث لما يدور حولي، أما السعي والفهم والتغيير فلم يعد أمراً أقدر على تحمله أصلاً.

عندما أتناقش مع أحد في سياسة عدم اكتراثي تلك، يتم نعتي باليائس أو المحبَط، وإن كان ممن يؤمنون بالتنمية البشرية فسيتم وصفي بأني مصدر للطاقة السلبية، مع الوقت توقفت عن نقاش سياستي، وذلك ليس اقتناعاً بوجهة نظرهم، بل لأنني لم أعد أكترث أصلاً بوجهة نظرهم في سياستي، ولم أعد أريد أن أطرح وجهة نظري وأتناقش حولها، فذلك المجهود أنا في غنى عنه.

لكن المشكلة أنني صرتُ أشعر بوخزة في الضمير؛ لأني بدأت أفقد جزءاً من إنسانيتي، فلا مبالاتي تلك جعلتني لا أهتم بأوجاع من لا يجدون الدواء بعد حظره، من لا يجدون لبناً لأطفالهم بعد توقف استيراده، من لم يعد يكفيهم رواتبهم لإطعام أبنائهم، ولكني عندما أتناقش مع ضميري، أحاول إقناعه بأنني لست المسؤول عن معاناتهم، لكنه يرى أن عدم اكتراثي بمعاناتهم هي المشكلة الأكبر، لكني أحدثه أن هؤلاء لم يبالوا بمن قُتل أو اُعتقل، لم يبالوا بمن أراد أن يكون صوتهم، من أراد أن يجعل حياتهم أفضل، من أراد أن يسهل عليهم إيجاد الدواء واللبن والطعام، أحاول أن أقنع ضميري بأن هؤلاء لا يختلفون عني كثيراً، فمشكلاتي وآلامي لا تعنيهم، لماذا أكترث لهم إذا كانوا هم لم يكترثوا لي عندما تكلمت وثُرت من أجلهم؟ لا يقتنع ضميري بتلك المبررات ولكنها تكون كافية حتى يهدأ قليلاً وأتمكن من العودة إلى حالة اللامبالاة من جديد.

إلى من يقرأ كلماتي ويراني شخصاً انتصر عليه الإحباط ونال منه اليأس، يجب أن تعلم أولاً أني لست وحدي، فقد صرنا ملايين ممن ينتمون إلى سياسة عدم الاكتراث، يعيشون في أوطانهم ينظرون إلى الواقع ويسخرون منه، يحلمون بباب الطائرة أمامهم وأوطانهم خلفهم؛ ليخطوا خطواتهم إلى ذلك المجهول لعلهم يجدون أوطاناً يُسمع لهم فيها صوت، صوت يؤثر، وإن لم يهاجروا سوف يعيشون بالطريقة التي تروق لهم، وسوف يبذلون جهدهم لتجنب ما يكدر صفو حياتهم، وينتظرون لعل حلم الهجرة يتحقق.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.